سليمان الدخيل
140
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
صاحب السيرة « 1 » وأخذ أصحاب الزهري عن ابن إسحاق روايته في الأحاديث التي رواها الزهري ، وشكوا في صحتها ، وكان الإمام أحمد بن حنبل يأخذ برواية ابن إسحاق . ومن العلوم التي ازدهرت في بغداد في العصر العباسي الأول ، علم الكلام ، وهو يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية ، والرد على المبتدعة والمنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة ، وأساس هذه العقائد الإيمانية يكمن في التوحيد ، ويقدم في برهان عقلي « 1 » ، وكان أهل الحديث يرون أن مناقشات المتكلمين وآرائهم بدعة ، لأن الإيمان عندهم هو الطاعة ، وقد غلاخصوم المتكلمين ، فرموهم بالزندقة ، وقالوا : علماء الكلام زنادقة ، والحق أن مناقشات المتكلمين أنعشت الحياة الثقافية في بغداد ، ولكن ظهرت مشكلة - كما سنرى - أثارت جدلا كبيرا بين المتكلمين وأهل الحديث وهي مسألة القول بخلق القرآن ، هل هو مخلوق أو قديم ؟ لذلك كانت أهمية المتكلمين هو الرد على أهل البدع والضلالات ، فدونوا الأدلة العقلية دفاعا عن الدين « 2 » . لاقى المتكلمون - وقوامهم المعتزلة - معارضة شديدة في بغداد ، لأنهم آمنوا بسلطان العقل وتحكيمه في كل الأمور ، وقد استخدموا ما توصلوا إليه من تقدم علمي - خصوصا في الفلسفة والمنطق - في آرائهم الدينية ، وهاجموا أهل السنة بشدة وضراوة ، وأثاروا مسائل كبيرة في الإلهيات والطبيعيات والسياسات ، وكان لهم مقدرة كبيرة على الجدال والإقناع والحوار بمهارة فائقة . أضعف من شأن المتكلمين في العصر العباسي الأول في بغداد ، معارضة الخلفاء العباسيين الأوائل للاعتزال ، فكان عمرو بن عبيد من أبرز المعتزلة في عهد المنصور ، ينجنب المنصور ، لأنه يدرك مدى معارضته المعتزلة « 3 » . كذلك كره الرشيد المعتزلة ، فلما أدرك أن الشاعر العتابي من المعتزلة ، عظم
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 458 . ( 2 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ج 3 ص 89 - 90 . ( 3 ) ابن قتيبة : عيون الأخبار ج 2 ص 237 .