سليمان الدخيل
123
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الحقيقة . أما العلوم النقلية فهي مستندة إلى الخير عن الوضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا بإلحاق الفروع من مسائلها بالأصول « 1 » . لذلك ظهر في هذا العصر نوعان من العلماء ، الأول يغلب على ثقافتهم النقل والإستيعاب ، ويسمون أهل علم ، والثاني هم الذين يغلب على ثقافتهم الابتداع والاستنباط ، ويسمون أهل حكمة ، والعرب لم يدونوا علوم الدين ، وجرى الأمر كذلك على يد الصحابة والتابعين ، فكان الذي يتحمل نقل الشريعة القراء أي قراء كتاب اللّه سبحانه وتعالى والسنة المأثورة ، لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث ، الذي هو في الغالب تفسير وشرح له ، ثم احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتدوين الحديث مخافة ضياعه ، واحتيج إلى معرفة الأسانيد وللتأكد من صحتها ، ثم احتيج إلى استنباط الأحكام من القرآن والسنة ، يضاف إلى ذلك فساد اللسان ، فظهرت الحاجة إلى وضع القوانين النحوية ، وصارت العلوم الشريعة كلها مادة للاستنباط والإستخرج والقياس والتنطير « 2 » ، ولذلك كان لا بد من تدوين العلوم الدينية والعربية وتم تدوين العلوم في مستهل العصر العباسي في كتب تداولها الناس . والورق الذي استعمل في الكتابة في بغداد ، البردى ، وكان في بغداد درب يسمى القراطيس ، وكان هذا الورق يجلب من مصر ، وفي بغداد كميات هائلة منه ، فيحدثنا الجهشيارى « 3 » أن المنصور وقف على كثرة القراطيس في خزانته فدعا أحد أعوانه وقال له : إني أمرت بإخراج حاصل القراطيس في خزائننا ، فوجدته شيئا كثيرا جدا ، فتولى بيعه ، وأن لم تعطى بكل دينار إلا دائقا ، فإن تحصيل ثمنه أصلح منه ، وكان الطومار في ذلك الوقت بدرهم . ولكن المنصور عاد فتدارك ما قد ينجم عن ذلك ، فدعا الرجال وقال له :
--> ( 1 ) مقدمة ابن خلدون ص 543 - ، 544 ( 2 ) مقدمة ابن خلدون ص ، 484 ( 3 ) الوزراء والكتاب ص ، 138