سليمان الدخيل

110

كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد

غلبت على أهل بغداد صفات الخلفاء ، والناس كما يقولون على دين ملوكهم ، فالمنصور أول خليفة قرب المنجمين ، وعمل بأحكام النجوم ، وقد نظر في العلم ، وقرأ المذاهب ، وأرتاض في الآراء ووقف على النحل ، وكتب الحديث ، فكثرت في أيامه روايات الناس واتسعت عليهم علومهم « 1 » وكان المهدى سمحا كريما جوادا ، فسلك الناس في عصره سبيله وذهبوا في أمرهم مذهبه ، حتى كان لا يسؤل أحد في أيامه إلا وأعطى ، أما الهادي فأول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف والقسي ، فسلك عماله طريقته ، وكثر السلاح في عصره « 2 » . وكان الرشيد مواظبا على الحج متابعا للغزو ، واتخاذ القصور وتمهيد الطرق في طريق مكة فعم الناس إحسانه مع ما اقترن به من عدله وأقتدت به رعيته فظهر الحق وخفق الباطل « 3 » . أما المأمون فكان أكثر الناس عفوا وأشدهم احتمالا وأحسنهم مقدرة ، وأجودهم بالمال الرغيب وأبذلهم بالعطايا ، واتبعه وزراؤه وأصحابه في فعله ، وسلكوا سبيله وذهبوا مذهبه « 4 » ، على أن المعتصم غلب عليه حب الفرسية والتشبه بالملوك الأعاجم في ملبسه ومظهره ، فاقتدى بفعله الناس ، وعم الناس أفضاله ، وأمنت السبل في أيامه ، وشمل الناس إحسانه « 5 » . ظهرت نزعة في بغداد تدعوا إلى الزهد ، وذلك أن بعض الناس بئسوا من الثراء وعفت نفوسهم عن التزلف والتقرب للأغنياء ، أو لم تمكنهم ظروفهم من ذلك ، وقوم خلصت نواياهم نحو اللّه واتجهوا إليه بكل ما استطاعوا ، وصفت نفوسهم ، ورأوا أن النفس إذا نالت ما أرادت انقادت إلى المعاصي ففضلوا التغلب

--> ( 1 ) المسعودي - مروج الذهب ج 2 ص 554 . ( 2 ) المصدر السابق ج 2 ص 555 . ( 3 ) المسعودي - مروج الذهب ج 2 ص 555 . ( 4 ) المصدر السابق ج 556 . ( 5 ) المصدر السابق ص 557 .