سليمان الدخيل
10
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
عول المنصور على الاستفادة بكافة الخبرات الموجودة في مملكته في انجاز مشروعه الكبير ، فاستدعى إليه من كل بلد من بلدان دولته المهندسين ، وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالزرع والمساحة وقسمة الأرضين والبنائين والفعلة والصناع من الحدادين والحفارين والنجارين حتى أجتمع لديه على ما قيل - نحو مائة ألف من أرباب المهن والصناعات ، وحدد لهم رواتب وأجور معلومة ، وأسند مهمة الإشراف على عملية البناء إلى رجال ممن يثق بهم من ذوى الفضل والعدالة والفقه والأمانة والمعرفة بالهندسة ، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطأة وأبو حنيفة النعمان بن ثابت « 1 » . أشرف المنصور بنفسه على تخطيط مدينته الجديدة ، فأمر بوضع خطوط بالمرماد تمثل رسم المدينة الهندسى الذي أقره ، ودخل من كل باب من أبوابها وعبر في فصلانها وطاقاتها ورحابها ، وشاهد تخطيطها على الطبيعة ، ولم يكتف بذلك ، بل أمر بوضع حب من القطن على الخطوط المرسومة في موضع بغداد ، وصب ، النفظ عليها ونظر إلى موضع المدينة ، والنار تشتعل ، فشاهد رسمها ، واطمأن إلى حسنه وقال : « الحمد للّه الذي أخرها لي » وأغفل عنها كل من تقدمني « واللّه لأبننيها ثم اسكنها أيام حياتي ، ويسكنها ولدى من بعدى ، ثم لتكونن أعمر مدينة في الأرض » « 2 » . افتتح المنصور مشروع تأسيس مدينته في يوم تاريخي مشهود حضره كبار رجال الدولة « 3 » ، ووضع أول لبنة بيده وقال : « بسم اللّه والحمد للّه ، والأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين « 4 » ثم أمر عماله بأن يبدأوا في البناء على بركة اللّه » . على أن بناء بغداد لم يقدر له أن يتم سريعا ، فلما بلغ سور بغداد مقدار
--> ( 1 ) ابن الأثير : الكامل في التاريخ حوادث سنة 145 ه . ( 2 ) اليعقوبي : البلدان ص 241 . ( 3 ) Hitti : Hist . of the Arabs p . 242 . ( 4 ) le strange : Baghdad during the Abbasid Coliphate p . 9