محمد بن أحمد النهرواني
73
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
فذاق وبالا حين حاول ملكنا * وعالج منا غصة تتجرع ونحن عمرنا البيت كنا ولاته * ندافع عنه من أتانا وندفع وما كان يبغى أن يلي ذاك غيرنا * ولم يك حي بعدنا ثم يمنع وكنا ملوكا في الدهور التي مضت * ورثنا ملوكا لا ترام فتوضع ثم نشر اللّه أبناء إسماعيل وأخوالهم جرهم ، وكانت جرهم ولاة البيت لا ينازعهم بنو إسماعيل لخئولتهم وقرابتهم ، فلما ضاقت عليهم مكة انتشروا في الآفاق ؛ فلا يأتون قوما ، ولا ينزلون بلدا إلا أظهرهم اللّه عليهم بدينهم ، وهو يومئذ دين إبراهيم حتى ملؤا البلاد ، ونفوا عنها العمالقة ، وكانوا ولاة مكة ؛ فكانوا ضيعوا حرمة الحرم واستحلوها ، واستخفوا بها ؛ فأخرجهم اللّه من أرض الحرم . قال : بم أن جرهما استخفت بأمر البيت الحرام ، وارتكبوا الأمور العظام ، وأحدثوا فيها ما لم يكن قبل ذلك ؛ فقام عليهم مضاض بن عمرو خطيبا ، فقال : يا قوم احذروا البغى فققد رأيتم من كان قبلكم من العماليق ، كيف استخفوا بالبيت ، فلم يعظموه ، فسلطكم اللّه عليهم ؛ فأخرجتموهم ، فتفرقوا في البلاد ، وتمزقوا كل ممزق ، فلا تستخفوا بحرم اللّه تعالى فيخرجكم منه ، فلم يطيعوه وولوهم بالغرور ، وقالوا : من يخرجنا ونحن أعز العرب وأكثر رجالا وسلاحا ؛ فقال لهم : إذا جاء أمر اللّه بطل ما تقولون ، فلما رأى مضاض بن عمرو ذلك عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة ، وما وجد فيها من الأموال التي كانت تهدى إلى الكعبة ، ودفنها في بئر زمزم ، وكانت بئر زمزم قد نضب ماؤها ؛ فحفرها بالليل ، وأعمق الحفر ، ودفن فيها تلك الغزالتين والأموال ، وطم البئر ، وأعزل جرهم وأخذ منهم بنى إسماعيل ، وكانوا قد اعتزلوا عنهم حرب خزاعة « 1 » ؛ فأخرجت
--> ( 1 ) خزاعة : قبيلة من الأزد من القحطانية ، وهم : بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن مزيقياء . قال أبو عبيد : عمرو هذا أبو خزاعة كلها ، ومنه تفرقت بطونها . نهاية الأرب : 244 .