محمد بن أحمد النهرواني

297

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

وإحسانهم متواصل إلى كافة الأنام ، سيما جيران بلد اللّه الحرام ، وجيران نبيه الأطهر ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) . فإنهم فازوا بإنعاماته الوافرة في أيام هذه الدولة الزاهرة ، وحازوا من الصدقات المتكاثرة في نوبة هذه السلطنة القاهرة ، ما لم يتصوره من الدول الماضية العابرة ، فاللّه تعالى يديم علينا سلطانهم ، كما دام علينا بركتهم وإحسانهم ، ومما جدد الأمير مصلح الدين المذكور بنا مقام الحنفية ، فإنه كان مسقفا على أربعة أعمدة في صدر محراب عمل في سنة 901 ه ، فأراد أن يوسعه ويجعله قبة فأمر بعقد مجلس ، حضر فيه القضاة الأربعة والأئمة والعلماء والأعيان ، وقال لهم : إن الإمام الأعظم أبا حنيفة النعمان ، روح اللّه تعالى ، روحه الشريف بروائح الروح والريحان ، والرحمة والرأفة والرضوان ؛ جدير بأن يكون له في هذا المسجد مقام ، يجتمع فيه أهل مذهبه ومقلدوه ، ويكون أوسع من هذا المقام . فذكر بعض العلماء أنه لا شك في عظم كل واحد من الأئمة ( رضوان اللّه عليهم أجمعين ) ، غير أن تعدد المقامات في مسجد واحد في استقلال أهل كل مذهب باء مام ما ؛ أجازه كثير من العلماء ، وأن تعدد هذه المقامات في وقت حدوثه ؛ أنكره العلماء غاية الإنكار في ذلك العهد . ولهم في ذلك العصر رسالات متعددة باقية بأيدي الناس إلى الآن ، وأن علماء مصر ، أفتوا بعدم جواز ذلك ، وخطئوا من قال بجوازه ، ثم انقض المجلس على غير اتفاق . ثم ذكر القاضي بديع الزمان الضياء الحنفي أنه جده القاضي أبا البقاء بن الضياء أفتى بجواز هلك ، فشرع الأمير مصلح الدين في إتمام ما قصده ، وهدم تلك السقيفة ، ووسع المكان ، وعمل قبة من الحجر الأصفر والأحمر الميس ، وأصرف على ذلك ذهبا كثيرا . واستمر مقاما يصلى فيه الحنفية بالحنفيين إلى أن غيره الأمير خوش كلدى أمير بندر جده ، وهدم وبنى المقام مربعا ، ذا طبقتين ، جعل الطبقة العليا