محمد بن أحمد النهرواني

289

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

إلى أهل القدس وأهل خليل الرحمن ، وعاد إلى عسكره وصار كلما مر ببلدة وقرية أو قصة في طريقة أحسن إلى الرعاء ونظر بعين المعدلة والإحسان إلى البريا ، وأزال عن الضعفاء ظلم الظالمين ونشر العدل في العالمين بقية السيف من الجراكسة ، وولوا عليهم الدودار الكبير مقدم ألف طومان باي ، ولقبوه الملك الأشرف ، واجتمعوا عليه ، وألقوا مقاليد سلطنتهم إليه ، وساروا بمواكبهم بين يديه ؛ وجندوا الجنود ، وعقدوا الألوية والبنود ، وبرزوا إلى الريدانية ؛ خارج مصر ، ونصبوا المدافع الكبار ، وملكوها بالبارود ، والأحجار ، وهيبوها ليطلقوها إذا أقبلت العساكر العثمانية ، فلما أخبرهم الجواسيس بذلك عدلوا إلى مسيرتهم ، وجاءوا من خلف جبل المقطم ، من وراء عسكر الجراكسة ، ورموا بالمدافع والمحامل والضريزانات على العجل ، واستمرت مدافع الجراكسة مركوزون لمن يأتي من أمام الريدانية بلا نفع ، ولا دفع ، وقاتل السلطان طومان باي ومن ثبت معه من أمراء الجراكسة ، قتالا قويا ، وأظهر طومان بأي شجاعة قوية ، عرف بها ، وشهد له المصاف وهو يغوص في عسكر ويحمل ، ويكر ويفر ، وقتل من وراء السلطان سليم الأول في ذلك اليوم سنان باشا وأسف السلطان سليم على شهادته . ومن جملة نكاته قال : عندما أخبر بهروب عسكر الأعداء ، وأخذ مصر ، وقتل سنان باشا أي قائده في مصر بلاد يوسف ، ووجه النكتة ؛ أن يوسف يلقب بسنان عزمهم ، وبعد أن ثبتوا ساعة ، انكسروا فهربوا وتفرقوا ، وتشتتوا ، وتمزقوا - وهرب طومان باي إلى البر ، ونزل على شيوخ عريان بنى حرام عبد الدايم بن بقر ، ودخل السلطان سليم إلى مصر ، ونزل في ساحاتها في الجزيرة الوسطى ، فطاف عسكره بالبلدان ، وأمنوا الناس ، وأزالوا عنهم الخوف والبأس ، ما عدا الجراكسة ، فإنهم إذا ظفروا بهم ربطوهم وأثوابهم إلى السلطان سليم خان ، فيأمر بضرب رقابهم ، وترمى جيفهم في البحر النبيل ، وتجمع رؤوسهم أكواما إلى أن عفنت الجزيرة بروايح القتلى ، فانتقل السلطان سليم إلى المقياس ، وأمر أن يبنى له في علوه كوشكا عاليا ؛ سكنه مدة إقامته بمصر ، هربا من عفونات أشلاء القتلى .