محمد بن أحمد النهرواني
165
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
فلم يأمنوه ، وأرادوا قتله ؛ فما أمكنهم الإقدام على ذلك لشدة محازرته منهم ، فدسوا إلى طبيبه ابن طيفون ثلاثين ألف دينار عند توعيكه ؛ ليسمه ، فقصده بمبضع مسموم ، فأحسن بذلك ، وأراد قتل الطبيب ، قال : إنك تصبح طيب وتندم على قتلى ، فأمهلنى إلى الصبح ، فأمهله فأصبح ميتا . ويحكى أنه بات ليلة في وعكه ، وابنه فزعا ، وهو يبكى ، فسألته أمه : ما يبكيك ؟ فقال : أفسدت فيها ديني ودنياي ، رأيت أبى الساعة ، وهو يقول : قتلتني يا محمد لأجل الخلافة ، واللّه لا تتمتع بها إلا أيام قلائل ، ثم مصيرك إلى النار ، فاستمر موهوما من هذا المنام ، فما عاش بعد ذلك ، إلا أياما قليلة . وذكر ابن يحيى المنجم : أن المنتصر جلس يوما للهو ، وأمر بفرش بساط من زخائر الخزينة ، تداولته الملوك ، ففرش ، فرأى فيه صورة رأس ، رأى عليه نساج وعليه كتابة فارسية فطلب من يستخرج تلك الكتابة ، أحضر لذلك رجل من الأعاجم ، فقرأه بلسانه ، وعبس عند قرأتها ، فسأله المنتصر عنها ، فقال : لا معنى لها ، فألح عليه ، فقال : أنا الملك شرويه بن كسرى بن هرمز ، قتلت أبى لم أتمتع بالملك بعده إلا ستة أشهر ، فتغير وجه المنتصر لذلك ، وقام من ذلك المجلس وترك اللهو الذي أراده ، صار مغتما لذلك ، مهتما به . وكان على خلاف رأى أبيه في آل أبي طالب ، وأعاد قبر الإمام الحسين ( رضى اللّه عنه ) بعد ما كان هدمه أبوه وأمر بزيارته ، ورد على آل الحسين حايها فذك هي أرض بأرض الحجاز ، وقصته مشهورة ، وهي مما تنقمه الشيعة على يد سيدنا أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه ، وإنما فعل ذلك بحديث سمعه من النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) ورضى اللّه به سيدنا علىّ بن أبي طالب ، ولم ينقض ذلك الحكم لما آلت الخلافة إليه ، لعلمه أن ذلك هو الحق ، وما ذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وكانت خلافة المنتصر ستة أشهر ، كما توهمه . قال أبو المنصور الثعالبي ، في العجائب : « أن أعراق الأكاسرة في الملك شيرويه قتل أبيه ، فلم يعيش بعده إلا ستة أشهر » . انتهى .