محمد بن أحمد النهرواني

155

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

الأمين رأسه إلى مسرور ، فقال له : إن طاهر بن الحسين دخل بعسكره إلى بغداد ، فقال : دعني ، فإن الجارية فلانة صادت مشنقتين ، وأنا ما صدت شيئا ، فرجع مسرور باهتا ، وإذا بالحبذ قد حاطوا بدار الخلافة ونهبوها ، وأمسك طاهر بن الحسين الأمين بيده ، وحبسه ، فلما شاهد الأمين هذاي الحال ، قال لظاهر بن الحسين : يا طاهر ؛ اعلم أنه ما قام لنا قائم قط ، وكان جزاؤه عندنا إلا السيف ، انظر لنفسك ، أو دع يلوح بأبى مسلم وأمثاله الذي بذلوا أموالهم في قيام الدولة ، فكان مالهم إلى القتل ، فهذه عادة اللّه تعالى في مقيمى الدولة كعمرو بن سعيد ، أقام دولة عبد الملك بن مروان ؛ فقتله ، وأبى مسلم الخراساني قام بدولة السفاح فقتله المنصور ، وكعبد اللّه القائم بدولة العبيديين ، قتله عبد اللّه المهدى . وأمثال ذلك كثيرة - فيمن ذكرت - فأثرن هذه الكلمات في قلب طاهر ، وصار يخدر منها ، إلى أن كان آخر قتله بيد المأمون . ولما رأى طاهر بن الحسين بعد الاستيلاء على الأمين ، وحسه ، عدم سكون الفتنة ، أدخل عجما لا يعرفون اللسان على الأمين وأمرهم بقتله ، فقتلوه ، وأخذ برأسه وطيف بها في مدينة بغداد ، ونودي عليه هذا رأس المخلوع ، إلى أن سكنت الفتنة وكان ذلك في محرم سنة 198 ه . قال محمد بن راشد : أخبرني إبراهيم بن المهدى : أنه كان مع الأمين لما حوصر ؛ فطلبني في ليلة مقمرة ؛ فجئته ، فقال : ما ترى في حسن هذه الليلة ، وضوء هذا القمر ، فاشرب معي نبيذا ، فقلت : نعم ، فسقاني ، ثم طلب جارية مغنية ، فجأت جارية اسمها ضعف فتطيرت منها ، وغنت بشعر النابغة الجعدي : كليب لعمري كان أكثر صرا * وأيسر ذنيا منك صرح بالدّم فتطيب من ذلك ، وقال : غنى غير هذا ، فغنت : أبكى فراقهم يوما فأرقنى * إن التفرق للأحباب بكاء ما زال يعد وعليهم ذئب دهرهم * حتى تفانوا وريب الدهر عداء