محمد بن أحمد النهرواني

152

كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام

ولو كانت الدنيا تنال بغبطة * وتدبير رأى نيل أعلى المطالب ولكنما الأقدار تجرى بقدرة * من اللّه لا يجدى تدابير طالب قال شيخ شيوخنا الحافظ السيوطي ( رحمه اللّه تعالى ) ، وذكر محمد بن الصباح الطبري : أن أباه شيع الرشيد من خراسان إلى النهروان ، فجعل يحادثه في الطريق ، ويشكو الرشيد همومه ، ويتنفس عنده نفاثات الصدور إلى أن قال له : يا صباح ، أظنك لا تراني بعد هذا ، فقلت : بل يطيل اللّه عمر أمير المؤمنين ، ونفديه بأرواحنا ويعيش سالما من الآفات ، فقال : إنك لا تدرى ما أجد ، فقلت : لا واللّه ، فقال : تعالى حتى أريك ما أخفيه عن غيرك ، وتنحى عن الطريق ، وأومأ إلى من عنده بالتنحي عنه ، فأبعد عنهم وهم يرمقونه بطرف خفى ، ثم قال : أمانة اللّه يا صباح اكتم امرى ، فقلت : نعم ، فكشف عن بطنه ، فإذا عصابة جرير عريض معصوبة على بطنه ، فقال : اكتمها عن كل أحد وحولى رقباء ، وكل واحد من أولادي يعدون أنفاسى علىّ . فمسرور رقيب المأمون ، وجبريل بن يختيشوع رقيب الأمين ، وفلان ، وعد ثلاثا ، والسينة رقيب المؤتمن ، وكل منهم يحصى أيامى وساعاتى ، ويستطيل عمرى وحياتي ، ويظهر ذلك الآن منهم ، فإن طلبت برذونا لركوبى ، فيأتون به أعجف ضعيفا ، يزيد في علتي ، ويضاعف علىّ مرضى ، ثم طلب منهم برذونا لركوبه ، فأتوه ببرذون عاجز منقطع يتعب راكبه ، كما ذكر - وهو يدارمهم ويصبر على ما يكابده منهم ، فنظر إلىّ نظرة حزين مكروب وركب ذلك البرذون ، فقبلت رجله وأودعته ، وفارقته ، وهم ينظرون إلىّ نظرة خفت عاقبتها ، وكف اللّه تعالى شرهم . واستمر الرشيد عليلا إلى أن بلغني وفاته بطوس ( رحمه اللّه تعالى ) انظر إلى هذا الملك الجليل ، والخليفة النبيل ، والسلطان الذي قل أن يوجد له مثيل ، وهو عاجز في يد غلمانه مغلوب عليه في ملكه وسلطانه متحسر على عظم شأنه ، متأسف على علو مكانه ، بيده خزائن الأرض ، وما يملك منها نقيرا ولا قطميرا ، ولا يقدر على شئ ، وكان ربك قديرا .