واصف جوهرية

49

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

العهد العثماني ومجازر السفاح أحمد جمال باشا « 1 » آنذاك في العرب ، وقد سافر أخيه قسطندي إلى الديار الأميركية هربا من مظالم العهد البائد ونجح نجاحا محسوسا في الغناء والموسيقى بين المغتربين هناك ولم نزل نأخذ الأخبار السارة عنه ليومنا هذا وفقه اللّه . لمحة طريفة عن مواجهتنا للإختراعات الغربية الحديثة بالقدس لحسن الحظ أنني منذ نشأتي في بيت والدي وجدت لامبات [ مصابيح الكاز ] نومرو [ أي رقم ] 2 و 3 و 4 ومنها نومرو 40 وهذه النمر لحجم الفتيلة التي كانت تشعل الغاز في القنديل فعندما كنا نشعل الفتيلة بالكبريت نضع البلورة العائدة لهذه اللامبة وكانت تنظف يوميا ونعيش ونقضي الليالي على هذا النوع من النور . ولكن شاهدت عائلة أنضوني المنى في الطابق الأرضي من دار الجوهرية فكانت هذه العائلة لم تزل تتناول طعام العشاء على " السراج المضيء بزيت الزيتون " كما كانت العادة للناس قبل اختراع لامبة الكاز ، وعندما كنا نأخذ العجين إلى فرن الزروق ونتأخر بعد الغروب يكون الفرن الكبيرة مضاء بالكازة وهي إناء تنكي يشبه المحقن ملآن بالكاز وفيه فتيلة رفيعة تضاء بالكبريت ولا يوضع فوقها بلورة وأنها قذرة وتسبب دخان الكاز عن من يكون حولها والعياذ باللّه . البريموس جاءوا بوابور البريموس للقدس فدهشنا من هذا الاختراع لنتخلص من الحطب والفحم للطهي وهكذا تحمس والدي فاشترى بريموس للوالدة معتقدا بأنها تكون مسرورة ودفع مبلغ أربعة مجيديات أي ثمانين غرش ثمن ذلك الاختراع الجديد مع العلم بأن راتب سعادة متصرف القدس الشهري كان ليس أكثر من الخمس ليرات وعلى هذه النسبة تتحقق مبلغ الأربعة مجيديات ولكن هذا الاختراع المريح النظيف لم يعجب الوالدة بل كان موضوع بحثها في الليل والنهار وذلك من قوة صوته ولعدم عادتها مثلا يدق باب الدار الرئيسي أولا وثانيا وهي تكون بجانب البريموس فلم تسمع وأخيرا عندما تجد الطارق داخلا الدار تبدأ وتلعن البريموس ومن اخترع ذلك البريموس ، وأذكر مرة وكانت مغتاظة منه إذ دخل والدي الدار فقابلته بكل نرفزة وقالت " واللّه واللّه يا أبو خليل لآهج من ها البابور واللّه لأكفر وأنزل ع الحرم دغري وأسلم يقطعه ويقطع الساعة اللي اشتريته فيها إيه بلاش ما احنا كنا عايشين وما له الفحم " ، فضحك والدي وخصوصا وأن إسلامها يكون كفرا وطيب خاطرها . ولكن إسمع ما عملت الوالدة ، دخل والدي الدار يوما وإذ والدتي استقبلته وقالت له كيفك يا أبو خليل وأنا أتخلص من البابور ؟ شوف شو أخذت بداله وعرضت ما يسمونه ( شاف ) للماء مع ست كبايات بلور مزوق مذهب من البلور الرخيص جاء اليهودي حايم فأعطيته البابور وداكشته [ أي بدلته ] بهذا الشاف والكبايات باللّه عليك كيف ؟ يقطعه ويقطع صوته ، جن جنون والدي المسكين وتأثر على مبلغ الأربعة مجيديات ولكن ما العمل والعوض على اللّه .

--> ( 1 ) جمال باشا القائد التركي للجيش العثماني الرابع الذي حكم فلسطين إبان الحرب العالمية الأولى .