واصف جوهرية
42
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
باب العامود ، 1901 المصور : دوايت المندورف من مجموعة عصام نصار الخاصة الفروسية بقدر المستطاع وكان والحق يقال يجيدها رغما عن كبر سنة ، وكان عندما يزوره الأصدقاء يأمرنا فنلبس في الحال اللباس الخاص ونلعب أمام الضيوف . فكان يعجب ويفرح ولكن بدون أن يظهر لنا ذلك خوفا من أن يصيبنا الغرور ويصبح ما تعلمناه منه اصطناعيا وليس طبيعيا على حد قوله . وفاة المغفور له الحاج سليم أفندي الحسيني واستمرار الصداقة والمحبة بإبنه من بعده عندما توفي علم البلاد المغفور له الحاج سليم أفندي الحسيني ودفن في مقره الأخير سنة 1322 ه [ وهي حوالي 1903 م ] في مقبرة بئر الكلب في محلة الشيخ جراح بجوار قولونية الأميركان ، « 1 » كنت أنا في خربة دير عمرو وبعدها شعرت بما أصاب والدي وخصوصا حسين أفندي من أسى ولوعة على هذا المصاب الجلل وإني أذكر كان اجتمع والدي بحسين بعد مدة وجيزة من العزاء وتبادلا المحبة فكان حسين أفندي يطيب خاطر والدي قائلا " لا تفكر يا أبا خليل فأنت بمقام والدي ولن أنساك ما دمت حيا ولي منك ثقة عمياء أرجو أن تعتقد بأني أخيك الأصغر وتعتبر نفسك وكأنك مع الحاج سليم وأكثر في جميع شؤوني الخاصة واللّه على ما أقوله شهيد . " عندئذ شكره والدي وقد كنت ألاحظ في جلساتهم بأن والدي كان دائما يلفت نظر حسين أفندي على حبه لي وثقته بي يثني على أمانتي دون أخوتي حتى ظهر لي جليا عطف حسين أفندي علّي دون إخوتي فيما بعد وكما سيجيء البحث عن هذا الموضوع في كثير من ذكرياتي في الصفحات الآتية من هذا الكتاب . محلة باب العامود في زمن تركيا « 2 » أحب أن أبين للقاري صورة مصغرة عن محلة باب العامود عندما كنت أنا وإخواني نتجول ونمر منها للذهاب إلى بيتنا في محلة السعدية ، وكانت والحق يقال مثالا في المحبة والأخوة والمعاملة مع بعضنا البعض فهناك اللحام والفران وبائع الخضار والألبان والسمانة اللذين كان والدي يعاملهم في حياتنا : إذا ما دخلت باب العامود تجد من على يسارك نقطة البوليس بجانب الشيخ لولو وخدامته لعائلة دار وهبة ، وكان هناك أبو عامر محمود الشاويش رجل كما يقولون درويش على بركة اللّه معروف لدى جميع سكان ذلك الحي . ثم القهوة لعلي زحيمان أبو زهدي ، ثم طاحونة محمد السباسي تحت الأرض وبعد المصبنة واستعملت فيما بعد قهوة لخليل نجم وكان يشتغل فيها أول فصل كركوز ومن ثم تغيرت إلى دكان في يد إبراهيم الخطيب العاصي . وقبل هذه المصبنة كانت قهوة صغيرة عارف زعترة أبو توفيق وأخيرا دكان صغيرة لمبيع الدخان والنقرشة بيد جمعة السمان الساكن آنذاك بجانب قهوة مغيبو وبعدها استعمل هذه الدكان الصغيرة فائز العلمي . وعندما تترك الزقاق المؤدي إلى حارة السعدية تجد دكان السمانة لمصطفى عبد [ الجبشة ] وبجانبه قهوة لأحمد السمان الملقب بأبي جمعة واستعملها فيما بعد أبو كامل قليبو .
--> ( 1 ) القولونية الأمريكية : من قصور آل الحسيني في القدس انتقلت ملكيتها قبل الحرب العالمية الأولى إلى مجموعة من المرسلين السويديين الأمريكان ، وتحول استعمالها من مقر للأرسالين إلى مشفى ثم أصبحت فندق في الستينات من القرن العشرين . ( 2 ) باب العمود هو أحد أبواب البلدة القديمة بالقدس ويعرف أيضا بأسم باب دمشق أو بباب نابلس كونه يشكل المدخل الئيسي للمدينة للقادمين من اتجاه الشمال .