واصف جوهرية

31

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

بجانب مقام ولي المدعو الساعي عمرو « 1 » بجانب شجرة خروب قديمة كبيرة عظيمة فكان والدي المساعد القضائي في شؤون مشاكل الفلاح الذي كان يفضل حل مشاكله عن المحاكم في الحكومة لما كان له ثقة بالسيد حسني هاشم أفندي الحسيني . عمل [ والدي و ] بنى وأنشأ واكتشف كل هذه الأعمال وصاحب الملك حسين أفندي الموحى إليه متغيبا في باريس فرنسا وبدون أن يأخذ منه تفويضا ولا مال ! ! وقد باغت حسين أفندي عندما رجع من فرنسا فأخذه والدي ولم يعرفه عن أي شيء عمله في خربة دير عمرو فتردد في بادي الأمر وقال يا أبو خليل . مالنا ومال دير عمرو الآن ! نذهب لمحل منقطع خارب وخصوصا تأخذ مياه الشرب معنا من قرية صوبا ؟ قال والدي لا قد أرسلت ماء هناك فباللّه عليك لا ترفض طلبي ، وأخيرا ذهبا وعندما وصلا قرية صوبا « 2 » نظر المرحوم حسين أفندي فرأى الدار المرتفعة فوق الجبل عن بعد وهكذا وصل واطلع على كل ما عمله الجوهرية فدهش وتعجب جدا من هذه الجرأة والعمل الجد وشكره . وهكذا بقي والدي في خربة دير عمرو إلى أن حصل على عزل الشيخ أسعد الشقيري من وظيفة القاضي الشرعي بالقدس وذلك بنفوذ المغفور له الحاج سليم الحسيني وأولاده الكرام فرجع القدس مرفوع الرأس بين معارفه في المحاكم . أما أراضي خربة دير عمرو فهي مجموعة من القرى التي تحيط بها وهي : خربة العمور ، بيت نقوبة ، صوبا ، خربة اللوز ، مطاف ، وخربة الميس وربما كسلا . وكانت غالبية أهل هذه القرى تزرع أراضي دير عمرو وبقي هذا الحال بعد ما تملكها كاملا حسين أفندي فكان مقابل هذا يستوفي من المزارعين العشر « 3 » عن حاصلاتهم وذلك بواسطة والدي فكنا نقضي الليالي في ضي القمر على بيادر هذه الخربة بجانب الدار ومن ثم بيادر خربة الصفير التي تبين بأنها كانت بيادر رومانية . أما مساحة هذه القرية فتبلغ الأربعة آلاف دونما ، وموقعها عال ومرتفع جدا وقد قال المستر ستابز مدير أراضي فلسطين زمن الإنتداب ( لو أنني خيرت بشراء محل في فلسطين لفضلت شراء خربة دير عمرو بأي ثمن كان ) وهذه شهادة قيمة تظهر ما لهذه الخربة من موقع استراتيجي وجمال وروعة . كنا عندما نترك خربة دير عمرو نذهب رأسا من هذه الخربة راكبين الحمير كل منا إناثا وذكورا وفي أحيان الجمل فإني أذكر مرة ركبت الجمل مع أختي عفيفة وكانت ماهرة في ركوب الجمل لوحدها فمررنا عن باب البويب ، وكان جبل خربة الأكراد من ضمن أملاك خربة دير عمرو وهو مغروسا بأشجار البلوط فأصبح غابة يتعذر دخولها في رابعة النهار خوفا من الوحوش البرية وإذا ما مررت عن قمة هذا الجبل من الجهة القبلية ترى منظرا جميلا لقطار الحديد الراجع من يافا والقدس والعكس بالعكس في الواد المعروف بوادي إسماعيل والجدير بالذكر بهذا الصدد أنك ترى كهف مرتفع وله ثغرة ضيقة تطل على السكة الحديدية وإنها تدعى بمغارة شمشوم الجبار وهي مغارة تاريخية . ثم عندما نترك باب البويب تكون خربة الميس وصاحبها من آل حمدان تلك العائلة الشهمة جارة خربة دير عمرو المرضية ثم تنزل واد يدعى بواد عين العرب والحق يقال واد مقطوع مخيف وله روعة وفي وسطه عين ماء للشرب شربنا وأشربنا الحمير والجمال والخيل واسترحنا مع المرحومة الوالدة والوالد وإخواني وأخواتي وكنا وعلى الأخص الصبيان صغار . ثم تسلقنا

--> ( 1 ) الولي - مقام شيخ أو قديس عاش في ريف فلسطين . ( 2 ) صوبا : من قرى القدس الغربية التي احتلت عام 1948 محيت عن الوجود بعد النكبه . ( 3 ) العشر : ضريبة كان يفرضها العثمانيين على المحاصيل الزراعية .