واصف جوهرية
28
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
وكانت عادة والدي زيارة الحاج سليم أفندي في بيته وديوانه في الصباح وقد صادف بأنه تأخر عن هذه الزيارات وأخيرا اتفق أن زار الحاج في عصيرة نهار الأربعاء المعروفة بأربعة أيوب من أسبوع الآلام الأمر الذي جعل الحاج يلاحظ بأن الجوهرية في شيء من العوز . استقبله بأحسن استقبال وحلف عليه بأن يقضي ليلته عنده لأنه زهقان وهكذا بقي والدي يلاعبه الضاما . . ويبادله الأحاديث وعند الصباح قال له يا أبو خليل نريد الإنزواء هنا لنرتاح من غلبة الناس فباللّه عليك لا ترفض بأن تقضي عندي اليوم وهذه الليلة وغدا الجمعة سترافقني بالعربة إلى باب العامود ، فأنت تروح إلى البيت وأنا سأصلي صلاة الجمعة في الحرم وهكذا كان . والوالد قلق الأفكار كيف لا وهو على وشك العيد ولم يأخذ شيء ولا يشتري شيء ما من طلبات الوالدة بمناسبة العيد السعيد . قضى نهار الخميس وهو خميس الغسل وصباح جمعة الحزينة ورافق الحاج في عربته الخاصة ( اللاندروفر ) إلى باب العامود ولما غاب الحاج عنه بدلا من أن يذهب إلى دار الجوهرية توجه إلى حارة النصارى وبقي هناك مع الأصدقاء لغاية الساعة التاسعة مساء فدخل الدار وقابلته الوالدة باشة هاشة قائلة له : " واللّه هذا كثير يا أبو خليل ! ! فلماذا اشتريت كل هذه الدنيا ؟ " وأشارت بيدها إلى المؤونة الموضوعة في إحدى زوايا الإيوان وكانت قفة أرز ، تنكة سمن ، تنكة زيت ، قفة بن أخضر صغيره ، كيس طحين ، تنكة سيرج ، خمسة أرطال صابون ، مع خمسة أرطال من السكر الرأس . ثم ثلاثة أرطال سميد للمعمول ، مع العجوة والجوز . تبسم والدي وفهم بأن المرسل هو الشهم الحاج سليم أفندي وعندما دخل غرفة نومه وجد بدلة جوخ سوداء جديدة وفيها بجيبة الصدرية ثلاث ليرات عثماني ذهب وهكذا كانت الصداقة أفندم . نبذة عن سياسة الحاج سليم الحسيني حدثني والدي بأنه كثيرا كان يرافق المغفور له الحاج سليم الحسيني في تجولاته في قرى قضاء القدس وكان يعجب من تواضعه الغريب فعندما كان يجلس مثلا في قرية ما على الطعام ( المنسف ) لم يترك أحدا من أهل تلك القرية من رجالها وفقراءها وأولادها إلا وأمر أن يجلس ويتناول الطعام الكافي تحت نظره وكان هو في كثير من الأوقات يفت اللحم ويناول الفقراء إلى أن ينتهي من إشباع الجميع . والجدير بالذكر بأنه رأى أفعى وهو على الطعام فسحقها برجله ووضع ركبته على الفراش والأفعى ميتة تحته بدون أن يشعر أحدا من أهالي القرية إلى أن أكمل فصل إشباع أصغر شخص في القرية وبعدها قال لهم قيموا هذه الأفعى الآن ، خوفا من انزعاج البعض وهم يأكلون . فهذه بعض من أعماله الطيبة والتي كانت سببا في حب الفلاح له واحترامه له المتناهي فكانوا حتى وبعد وفاته لا يحلفون إلا برأس سيد البلاد الحاج سليم أفندي رحمه اللّه وأسكنه فسيح جنانه .