واصف جوهرية

18

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

يتخيل للزائر الغريب عن هذا المجتمع بأنه في قاعة نادي أو معهد أو معرض وكنا نحن وإخواني نتصدر عند الاحتفالات المناسبة بينهم ، لا فرق بين جار وآخر وكان الجميع عائلة واحدة لأن الصداقة والوفاء كانا في ذلك الزمن بالعفة والطهر فيالها من حياة جميلة . شحادة ملوك وعائلتة كانت عائلة ملوك مؤلفة من الأب " أبو شحادة " سمّان في محلة باب العامود وكانت زوجته أم شحادة من عائلة قمر " الكرنونو " وكان أخيها يصلح البنادق في سوق خان الزيت . وكان لأبي شحادة ابنة اسمها عزيزة عرجاء ، وأمها مريضة العيون ( عمصة ) وكان لهم ولدا اسمه شحادة وهو لم يزل حي يرزق ويشتغل مصور فوتوغراف ، فكان مدللا من أبويه بصورة لا توصف لأن والدته فقدت أولادا كثيرين من قبله . وهكذا تربى شحادة تربية جعلته يكون شبيها بالبنات . يخاف من كل شيء مدلع وقد عودته أمه أن تقف له في الدهليز عند غروب الشمس خوفا من أن يطلع له الرصد ، كما كانوا يظنون لأن الدهليز كان مظلم ومعتم ، وقد كبر شحادة واعتاد على هذه التربية . ففي ذات يوم وقفت أم شحادة في الدهليز تنتظر قدومه فتأخر شحادة قليلا حتى عيل صبرها ودخلت بيت الخلاء تقضي حاجتها وإذ فتح باب الدار فظنت بأن شحادة حضر وصرخت بصوتها من داخل بيت الخلاء شحادة ! ! أجاب الشخص ( ايه واللّه شحادة ) سكتت أم شحاده لأنها تأكدت بأن الصوت هو غير صوت ولدها . ولكن هذا الشخص أبى أن يترك الدهليز فحمل عصاه وجرها على حيطان الدهليز في الظلام وهو يقول " واحد قال شحادة أين هذا " واحد قال شحادة أين هذا ولا تسأل عن حالة أم شحادة التي تأكدت بأن هذا الشخص هو الرصد بعينه . وعندما لم يجد الشخص أحدا في الدهليز لعن الشيطان وصعد إلى الطابق الثالث وقص ما حدث له في الدهليز لوالدي ، وكان هذا الشخص هو المرحوم الشيخ شحاده الدجاني يلبس العمة البيضاء ويضمن أعشار القرى بواسطة والدي . فعندها أدرك والدي صحة الحادث وقال ربما كان هذا الصوت صوت أم شحادة التي تنتظر ولدها في مثل هذه الساعة ونزلوا بالفعل إلى الدهليز وإذا بأم شحادة مغمى عليها في بيت الخلاء فجاءت السيدات من الجيران وأسعفوها . عزيزة أين يفسخ العتال « 1 » . كبر شحادة واشتغل وفي سن العشرين ذهب إلى إفريقيا وتغيب عن عائلته المسكينة مدة لا تقل عن السنتين لم يكتب طيلة مدة غيابه تحرير ما . وكنا نعطف على والدته وأخته اللذين كانوا ليس لهم شغل سوى البكاء والعويل على شحادة الذي كان موضوع بحثهم في الليل والنهار خصوصا لعدم حصولهم على أي خبر منه حتى اقتنعنا بأن شحادة أصبح في خبر كان .

--> ( 1 ) العتال : أي الحمال " ويفسخ " كلمة عامية يبدو أنها في هذا السياق ينزل حمولته