واصف جوهرية

10

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

ملقى على سريره من شدة البرد ، أما في الصيف فيشرب الأركيلة عادة عند الصباح والمساء في القاعة المعدة للزهور والذي كان يسميها " البلكون " ويتمتع بمناظر مدينة القدس المقدسة من هذه الشرفة أو من كشك الصالون الداخلي . ثم من الإيوان تدخل مباشرة إلى المطبخ والمنافع الداخلية [ أي المراحيض ] ثم تصعد بمصعد خشبي إحدى عشر درجة إلى غرفة سقفها ( طيوان ) بكرميد معدة للمؤونة فتجد فيها صندوق الطحين وأجرار المؤونة من حمص وفصوليا وعدس وبرغل وأرز وكسكسون وشعيرية وفريكة ثم الزيوت بأنواعها ثم كبيس الزيتون والمخلل والجبنة [ وغيرها ] ، وتجد بزاوية من هذه الغرفة الخشبية دسكة وعليها خزانة خاصة لألأت عدة النجارة الكثيرة ليقوم والدي بعمل ما يلزم للبيت وكنا نحن نساعده دائما في جلب العدة من الغرفة إلى الدار ونناوله المسامير ثم نرجع كل شيء لمحله والويل ثم الويل لمن يترك شيء منها أو من أي صنف من أثاث البيت أو الأراكيل أو الأباريق أو المقصات ولم يضعه في محله الخاص فكان يقول لنا رحمه اللّه " ولك إذا ما جئت في نصف الليل وبدون ضو أحب أن أجد ملقط النار معلق في هذا المسمار داخل خزانة الأراكيل " ويدلنا عليه بكل حدة . ويوجد في هذه الغرفة قفص كبير لطير الحمام له شباك إلى الجهة الشرقية من الغرفة للشمس فكان عندنا أكثر من 40 زوج من الحمام يطير في أجواء محلة السعدية ويرجع إلى بيته عند العلف وشرب الماء . وأخيرا تصعد من هذه الغرفة 8 درجات وتفتح الباب الخشبي فتجد نفسك على السطح وكأنك بدون مبالغة فوق مأذنة أو في طائرة فكل جهة من سطح دار الجوهرية لها ميزتها الخاصة ، فإذا ما تطلعت بنظرك إلى الغرب ترى باب العامود والسور ثم المدينة الجديدة وحي المصرارة إلى مستشفى الطلياني وعمارة المسكوبية ، ومن قبله ترى بيوت فوقها بعضها البعض داخل السور لحارة النصارى لغاية دير الفرنسيسكان والساعة ثم قلعة النبي داود لغاية جبل المكبر ، « 1 » ومن جهة الشرق يطل نظرك إلى منظر جميل ألا وهو الحرم الشريف وقبة الصخرة وصحن الحرم السماوي وبعده جبل الطور وكنيسة الروس وبصورة بسيطة يمكنك أن تعد جميع مآذن القدس وجراسياتها العالية من السطح المذكور . وهو محاط بسور خشبي جميل وكثيرا من المرات نعمل إشارة لوالدي منه وهو في دائرة السرايا آنذاك المقابلة لدارنا من الجهة الجنوبية . والجدير بالذكر في هذا الصدد بصفة والدي كان المسؤول عن المنتزه البلدي بالقدس كما سيجيء البحث عنه في هذا الكتاب ويوجد في هذا المنتزه ( المنشية ) غرفة لحفظ معدات الزينة العائدة للبلدية فقد كنا في كثير من المناسبات نجيء بالأعلام العثمانية وفوانيس الزينة والفتيش ونعمل زينة خاصة من فوق هذا السطح ونضرب الفتاش على قبسية خاصة ليلا حتى أنه يدهش أهل القدس بالنظر لموقع دارنا المرتفع وعلى مرأى من أغلب بيوت وأماكن المدينة . لمحة عن حياة والدي ووالدتي علمت أن جدتي أم والدي كانت من عائلة الصوابيني من العائلات المعروفة لطائفة الروم الأرثوذكس العرب بالقدس وهي ابنة المرحوم الصوابيني . وكثيرا من المرات كان والدي يطلعني عن قبر جده من والدته في وسط مقبرة صهيون

--> ( 1 ) جبل المكبر : التلة التي بني عليها لاحقا مقر حكومة الإنتداب