واصف جوهرية

مقدمة 34

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

عائلاتهم إلى أريحا ، كما نقلوا برا عدة سفن شراعية ومراكب من البحر الأبيض المتوسط . وقد أوجد حضور الملاحين جوا ساحليا مبهجا من الشرب والغناء والمرح ( بما في ذلك حفلات الحشيش الليلية ) ، أقام أود جوهرية خلال أعوام الحرب . « 1 » وبسبب قرب واصف من آل الحسيني ، وربما بسبب مصادفة تعيينه في حامية أريحا البحرية ، كان شاهد عيان على زيارات قام بها أنور وجمال باشا لفلسطين في سنة 1916 . وهو يذكر أيضا حادثة هزلية ، إذ حاول تقديم التبغ إلى جمال باشا ، الذي لم يكن يدخّن ، ونال توبيخا عسكريا على سلوكه الأرعن . إلّا إن موقفه من قائد النظام العثماني الجديد ملتبس . ففي أحداث سنة 1916 ، يصف الحماسة والمودّة اللتين أبداهما السكان الفلسطينيون المحليون في أريحا والقدس تجاه جمال باشا وغيره من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي ( صفحة 255 ) . ولاحقا ، يصف قسوة القادة العثمانيين في محاولتهم سحق الحركة الوطنية . ولا شك في أن هذا التناقض الظاهر عكس الغموض تجاه العثمانيين ، الذي ساد فلسطين خلال الحرب ، والموقف المتردد تجاه المستقبل ، وهو غموض يصادفه المرء بصورة أكثر بلاغة في مذكرات أخرى ، موازية لمذكرات جوهرية ، هي مذكرات خليل السكاكيني . « 2 » تنعكس تناقضات هوية القدس العثمانية في تأسيس جمعية الهلال الأحمر سنة 1915 ، التي قامت في الظاهر لكسب التأييد الشعبي في فلسطين لمصلحة القوات العسكرية العثمانية ضد الحلفاء . « 3 » وعلى الرغم من إشارات واصف الكثيرة إلى وحشية جمال باشا والثلاثي ، فإنه كان مؤيدا نشيطا للجمعية ، وعمل سكرتيرا لأحد أعضائها القياديين ، حماده العفيفي ( صفحة 225 ) . وكانت الجمعية ، التي تمركزت بصورة بارزة في المجمّع الروسي المعروف بالمسكوبية ، برئاسة حسين أفندي ، الذي كان أجبر في حينه على التخلي عن موقعه رئيسا للبلدية ، كما ضمت بين مؤسسيها عددا من المواطنين البارزين ، المسيحيين واليهود ، منهم : إبراهيم ( أبراهام ) عينتيبي ؛ يتسحاق إليشار ؛ سليم خوري ؛ وديع كتّانه ؛ وضابطين قياديين من الجيش العثماني . واستطاعت جمعية الهلال الأحمر من خلال حفلاتها الموسيقية العامة ، وعبر الالتماسات المباشرة ، أن تجمع مبالغ كثيرة لمصلحة المجهود الحربي ضد العدو البريطاني والفرنسي . لكن جوهرية يرى أن الجمعية كانت ترمي أيضا إلى إقامة جسر بين مصالح الطائفة اليهودية في فلسطين وبين الحكومة العثمانية ، قبل ظهور الصهيونية قوة فاعلة . وكان دور كل من إبراهيم عينتيبي ، مدير شبكة مدارس الأليانس الإسرائيلية في القدس ، والآنسة لانداو ، التي توصف بأنها " حلقة الوصل بين الطائفة اليهودية في القدس والقيادة العسكرية العثمانية " ، محوريا في توطيد هذه الروابط . ومن أجل هذا الهدف جنّدا عددا كثيرا من النساء المقدسيات الشابات ، اللواتي ارتدين بزات عسكرية عثمانية احتفالية ، تحمل شارات جمعية الهلال الأحمر ، والتمسن هبات عينية ونقدية للجيش . ويحدد واصف هوية عدد من هؤلاء " السيدات الحسناوات " ، اللواتي طوّرن علاقات حميمة بأصحاب السلطة العثمانية العليا : الآنسة تيننباوم ( " إحدى أجمل النساء اليهوديات في فلسطين " ، صفحة 226 ) التي أصبحت خليلة جمال باشا ، قائد الجيش الرابع ( وبعد الحرب تزوجت أبكاروس ، مدّعي عام القدس الشهير ) ؛ الآنسة سيما المغربية ، التي أصبحت خليلة سعد اللّه بك ، قائد حامية القدس ؛ الآنسة كوب ، التي أصبحت خليلة مجيد بك ، متصرف ( حاكم ) المدينة . ولعله بسبب انخراط واصف شخصيا في هذه الأحداث ، فهو يبالغ في كل من أهمية المجهود الحربي ومداه في منطقة القدس . ويظهر ذلك بصورة خاصة في إشاراته إلى أحداث أريحا والبحر الميت . فعلى سبيل المثال ، يشير إلى عملية بناء ميناء لا مرفأ على البحر الميت ويدعوه " مخفرا أماميا عسكريا عظيما " ، كما يشير إلى مشاهد الانسحاب العثماني ودخول البريطانيين فلسطين بقيادة الجنرال أللنبي . إلّا إنه يكشف ، من خلال روايته الأدبية والممتعة جدا للأحداث ، التحولات الجذرية التي كانت تحيق بالمجتمع الفلسطيني والشامي في تلك

--> ( 1 ) عن حفلات الكيف ، يحرص واصف على إخبار القارئ بأنه شارك في تناول المادة لتعزيز تجربته ومعرفته فقط ولم يكن مدمنا عليها إطلاقا ( صفحة 231 ) . ( 2 ) أنظر : خليل السكاكيني ، كذا أنا يا دنيا ( القدس : المطبعة التجارية ، 1955 ) . ( 3 ) فيما يتعلق بمناقشة الولاءات التنافسية ، أنظر : Rashid Khalidi , " Competing and Overlapping Loyalties in Ottoman Jerusalem , " in Palestinian Identity : The Construction of Modern National Consciousness ( New York : Columbia University Press , 1997 ) , pp . 63 - 88 ; James Gelvin , Divided Loyalties : Nationalism and Mass Politics in Syria at the Close of Empire ( Berkeley : University of California Press , 1998 ) , pp . 141 - 195 . وبالنسبة إلى المنظور التنقيحي ، أنظر : Hasan Kayali , Arabs and Young Turks : Ottomanism , Arabism , and Islamism in the Ottoman Empire , 1908 - 1918 ( Berkeley : University of California Press , 1997 ) , pp . 81 - 115 .