واصف جوهرية

241

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

وقد صادف أن منيا الحلبي كان جنديا في المنزل وكان ميخائيل القزاز كذلك في عمبر الاحتلال الكبير في أريحا والذي يترأسه عبد الرحمن بك ربما من طرابلس الشام وكان رجلا عظيما وأمينا لوظيفته ويعطف على أولاد العرب كل العطف وكان الشاويش آنذاك الذي بيده توزيع المخصص للجيش محمد شاويش وهو لم يزل حيا يرزق ليومنا هذا يسكن أريحا وقد تزوج كريمته المرحوم علي زمرد من أهالي القدس . أما كامل بك قوماندان أريحا كان يسكن في الطابق العلوي من عمارة المسكوبية بجانب جامع أريحا الشرقي وكنا نقضي الليالي على أسطحة عمارة المسكوبية خصوصا في ليالي الحر وفي فصل الصيف . وكان كامل بك متدين لا يشرب الخمر إنما كان يحب الاستماع إلى الموسيقى بلهفة زائدة ويقدر الألحان الجميلة منها . وعلى سطح هذه العمارة كان مخصصا نفرين من الجنود يعملان عنده كخدم ووظيفتهما بأن يملآ الطاسات من الماء ويصبانها على زير كبير من الفخار مجللا باللباد هذا فتصبح الماء التي تكون داخل الزير باردة جدا وكأنها مثلجة ، ثم يقدم لنا موز أريحا البلدي الذي كان مزروعا في أريحا آنذاك . هذا النوع من الموز كان والحق يقال نادر المنال فقد كانت المزارعين لا تقطع قطف الموز إلا متى استوى على أمه ولونه أصفر فتسيل من حبته مادة تشبه العطر المعطر وله رائحة زكية وكأنها المسك أو العنبر وهكذا كنا نقضي ليالينا على أكل هذا النوع من الموز ونشرب الماء البارد على الطريقة التي ذكرتها آنفا . وكانت ليالي جميلة لن أنساها ليومنا هذا . مرجان بك قوماندان أريحا تعين المدعو مرجان بك قوماندانا لأريحا وكان هذا الرجل قزما يلبس البنطلون والجزمة ثم القميص بدون الجاكيت وكان عصبي المزاج جدا وينتقم من كل من يرفض تقبيل يده وأما من قبل يده يرضى عليه حالا ويلبي طلبه وهكذا كنا نعرف عادته ونكسب الكثير بواسطة تقبيل يده كان يجيد اللغة اليونانية وربما كان مولودا في اليونان ولكن الأصل تركيا . كان لا يفارق مقهى اليونان المعروف بمقهى ياني وزوجته في الشارع الرئيسي لأريحا بجانب فندق سربيون . كان مدمنا على الخمر ولكنه عادل في أعماله وكان صديقا لكمال بك الذي ذكرته سابقا وهكذا رجعت بصفتي أصبحت جنديا معينا في أريحا رجعت إلى السير مع كمال بك من حيث الشطحات والسهرات بصورة فظيعة جدا وكان مرجان بك يشجع كمال بك على ما تبتغيه من حيث الحظ والسرور . أذكر مرة بأن مينا الحلبي جاء فقبل أيادي مرجان بك في الشارع وطلب منه تصريحا لزيارة والدته بالقدس على أمل أن يحصل على ثلاثة أو أربعة أيام ، ولكن تكرم مرجان بك بعد ما سر من تقبيل يده فسمح له بمدة شهرية قضاها مينا في القدس .