واصف جوهرية

226

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

العريشة كل واحد من الحضور رتب نفسه ونام في فراشه وقد تأخرت مدة خارج العريش فلما دخلت كانت ظلماء كانت بيدي شمعة مضائة فبدلا من إطفائها والنوم على الظلام ألصقتها على حافة عريشة القصب وبسرعة أسرع من لمح البصر حرقت العريشة بكاملها والعياذ باللّه . . وهناك منظر من كان نائما في هذه العريشة فهذا يركض بدون لباس وذاك يحمل ما كان عنده من لباس وأغراض خوفا عليها من الحريق ، وآخر يصيح بأعلى صوته بصورة تضحك وتبكي في آن واحد ، وإن أنسى لا أنسى ما كان عليه إسحاق أليشار من رعب وخصوصا على الدراهم التي كان يحتفظ بها . أما أنا عندما رأيت إشتعال النار في القصب قلبت الفرشة بكل قواي فوضعت يدي في الحال في الرمال وقبضت على كمر الذهب ، وخرجت وكنت لم أزل بلباسي الكامل وكان العم أبو داود يصرخ ويقول واصف إنكر لا تقول أنك أشعلت النار واصف ، واصف الدراهم وأنا كدت أن يغمى علي من الضحك . وما هي إلا فترة قصيرة زالت العريشة بكاملها من الوجود وأصبح الجميع في ظلام دامس لا نرى شيء وقد هجمت على هذه الثورة كلاب أهالي غور المزرعة ، وجاء البدو وأصبح الجميع في فوضى فكنت ترى هذا يفتش على لباسه ، والآخر على أغراضه وذاك لابس فردة حذاء في رجله ولم يجد الأخرى بصورة يتعذر علي وصفها وكانت قصة . لم يستطع أحدنا أن ينام ولكن بكل جهد قضينا ليلتنا تحت السماء فجاء العم محي الدين وموسى الراغب والياس الخروف وجميع عمال غور المزرعة الموجودين تحت إدارة العم محي الدين . ولم أبح بما كان بسببي لأحد إلا العم أبو داود الذي حذرني ونبهني على الإنكار . جولة حول البحر الميت جاء حسين أفندي بلانش « 1 » بواسطة روشن بك من الجيش وقد استعمله في البحر الميت وكان مساعدة عظمى لإدارة نقل الأغلال من غور المزرعة إلى الشاطئ الغربي المعروف بالجديدة فكان يجر وراءه المركب الشراعي الكبير مملوءا من القمح بمدة قصيرة جدا فأصبح هذا اللانش والموتور القوي يتحكم بالوقت وتخلصنا من الإتكال على الطقس وتقلباته . وهكذا أحب حسين أفندي أن يستغل وجود اللانش وقام بجولة شيقة مع عائلته والمرحوم سعد الدين الخليلي خال عقيلته وزوجته وغيرهم فقضينا مدة خمسة عشر يوما ننتقل من محل إلى آخر ومن وادي إلى جبل وكان معنا كل أسباب الراحة للسفر من خيم وسرائر وأثاث سفري بصورة منظمة وكأننا سياح تماما . شاهدنا مصب نهر الأردن عند مزجه مع مياه البحر الميت ثم على الشاطئ منشأ الحمارة ، ثم نصبنا خيامنا في نهر الزرقة فهناك أقمنا أسبوعا واحدا ما بين غديرين الأول الماء الساخن وبين الثاني البارد وإني لم أزل أذكر ما أشهى العزف على العود والغناء في هذا المحل الطبيعي النادر الوجود فإنك تعجب عندما كنا نستحم في الماء الساخن الطبيعي نشرب الماء الساخن بلذة فائقة وبدون شبع ، ولا تنسى أنواع الطعام اللذيذ الذي كان يقدم لنا في هذه

--> ( 1 ) بلانش : هو مركب ذو محرك .