واصف جوهرية
203
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
ركبنا عربة خيل " حنطور " من القدس إلى أريحا وكان آنذاك الشيخ محمود الدجاني ياورا [ ل ] روشن بك وزميله دسكن ألتر من يهود القدس وكان معنا محافظا الحاج عثمان صيام من أهالي لفتا بصفته جنديا سواري آنذاك . وصلنا منتصف طريق واد شعيب ، وكانت ضيقة وبجانبنا الوادي المخيف والطريق غير صالحة وعقبة صعبة الأمر الذي استحال على الخيول السير فوقفنا مدة تحير العربجي في أمره ولم يستطع إجبار الخيل على السير مطلقا . والجدير بالذكر أن روشن بك كان أصلع الرأس ويشبه رأس حسين أفندي الأصلع ، وكانا يتبادلا وضع يد الواحد على رأس الثاني في العربة ويضحكون ، وأنا جالسا أمامهما رحمهما اللّه . وأخيرا حل العربجي خيل العربة من قيودها فركب روشن بك حصانا وحسين أفندي الحصان الآخر وذهبا ومعهما الحاج عثمان صيام وتركونا في العربة إلى أن جاء الإسعاف من السلط فلحقنا بهم بعد مدة طويلة . أقمنا ضيوفا في بيت السيد سليمان سكر خمسة أيام وكانت الضيافة شيء يشرح الصدر من جميع النواحي المنام والفراش والمأكولات والحلوى والفاكهة من أفخر شيء يمكن عمله . وقد جاء السيد سليمان بالبدو ليلا كانوا يهزجون ويرقصون تكريما بالضيوف الكرام . وقد جيء لي بعود لا بأس به وقضينا ليلة عزفت وغنيت فيها في دار السكر لم أزل أذكرها ليومي هذا وكان روشن بك يرتاح لموسيقاي ، ويجني كثيرا حتى كنت دائما أدخل على مكتبه بدون إذن رحمه اللّه . جرى ما بين روشن بك وحسين أفندي وبين السيد سليمان السكر الاتفاق وتقرر في هذه الزيارة الأسس التي بموجبها تمكن حسين أفندي من نقل الحبوب من قمح وشعير إلى الجيش بالقدس بالطريقة التي أكتب عنها بعد . « 1 » أول غزواته كسر عصاته بمناسبة تعيين نوري بك مديرا عاما لبوليس القدس فقد أقام العم إسماعيل بك الحسيني على شرفه ليلة أنس فاخره وكان [ من ضمن المدعوين ] متصرف القدس ماجد بك وذلك في قصره العظيم الواقع في محلة الشيخ جراح بالقدس . وقد أبدع إسماعيل بك بكرمه وجوده وتجلى الحظ والسرور معنا بصورة فائقة وكان في الحضور أبناء أرقى عائلات القدس وكنت بجانب أستاذي الأكبر حمادة العفيفي نعزف على العود والجميع في نشوة من الحظ بل السكر أما أنا فنظرا لوجود حسين أفندي لم أستطع أن أشرب كرامة له وكما كنت معتادا فكنت أتحايل وأخرج إلى الإيوان وأشرب من الويسكي ما استطعت شربه وذلك بواسطة ( الضابط نوري بك من ضباط الصحة من أهالي دمشق فكان هو الذي يشجعني على الشرب خارج الغرفة ) . ولما طال الليل واختلط الحابل بالنابل في هذه السهرة والعيون كانت متجهة إلي خاصة أنشد بعضا من الموشحات وأعزف على العود وبواسطة نوري بك مدير البوليس سمح لي حسين أفندي بالشرب ( وكان لم يدر بأنني أشرب خارج الغرفة بغيابه وربما أكثر منه هو ) سمح لي بشرب كأسا من العرق فشربت ، ولكن أبي نوري بك مدير البوليس فتناول
--> ( 1 ) المقصود هنا هو نقل الحبوب بواسطة القوارب في البحر الميت .