واصف جوهرية

197

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

كان عمر يرتدي اللباس العسكري بصفته عسكريا في الجيش العثماني وكان من المفروض فيه طبعا بأن يضرب السلام باليد على الرأس لمن يمر عليه من الضباط كما يتطلب علم الجيش . وقد صادف وهو يغني موشح من مقام حجاز كار مطلعه يا غزالا زان عينيه الكحل إلخ ، وضربه كان نوخت مر عنه الضابط في حديقة المسكوبية فما كان منه إلا أن استعمل ( الدم ) على رأسه وبقي مواظبا على ضرب هذا التوشيح إلى أن إنتهى منه فقهقهت عليه من الضحك ، وكانت مقدرة بالفعل وبدون أن يلفت نظر الضابط إلى عمله هذا آه . سهرة في النهار كان لنا صديق يهودي يدعى إبرام الكرجي وله ثلاث شقيقات فاتنات كان يسكن دار تخص المرحوم محمد يوسف النشاشيبي فوق القنطرة بمحلة باب السلسلة بالقدس . اتفقنا معه ومع بعض الأصدقاء على إحياء سهرة في النهار . وهكذا حجبنا نور الشمس بواسطة الحرامات السوداء على نوافذ غرفة كبيرة في أعلى الدار وأشعلت كاز نومرو 40 ونصبت مائدة الأكل والشراب في وسط الغرفة والحضور وعلى رأسهم معلمي الأكبر عمر البطش ومعه جندي آخر يدعى مصطفى شاملي أي الشامي . كانت والحق يقال جلسة رائعة تجلى فيه الطرب والحظ والسكر والكل في فرح وهيصة نغني ما تجود به قريحتنا من التواشيح ثم المواويل ثم الطقاطيق ولكن شاء القدر كما قال المثل وعند صفو الليالي يحدث الكدر وإذ دخل علينا " القانون شاويش " معلقا برقبته هلالا نحاسي محفور عليه كلمة قانون وبموجبه اضطر الأستاذ عمر ومن معه الجندي على ترك الحفلة النادرة والذهاب مع القانون شاويش بصفتهما بألبسة الجيش . كانت الساعة ربما الرابعة والنصف من بعد الظهر وعندها تركت عودي ورافقت معلمي عمر إلى أن وصلنا أمام قومندان الجيش في عمارة المسكوبية . شكا قانون الشاويش ما اقترفه عمر وزميله من سكر وغناء ونساء وهما بألبسة الجيش وصدر الأمر في الحال بأن يطرح مصطفى الشامي أرضا ويضرب عشرة أسواط ولما كنت بجانب معلمي عمر قال لي " ولك يا واصف شوف كيف انقلب الدهر فهذا القومندان كنت واللّه أعلمه التواشيح مرارا في حلب ولكن حالة الحرب أن ينسى أو يتناسى من هو عمر " . أجبته إذا الأوفق أن تعرفه بنفسك الآن . فكتب ورقة وقدمها لهذا القومندان وكانت الغرفة ملآنة من الجيش فعندما أخذ القومندان الورقة عربد وزمجر وقال بالتركية " دها سرخوش " أي يعني لم يزل سكران عمر ؟ وأمر بجلده عشرون سوطا فتألم جدا وشاطرته الألم وسيق بهما إلى السجن في مركز القومندان . تركت معلمي مسجونا وكنت سببا بأخذه لسهرة النهار ولم أستطع النوم طيلة تلك الليلة . وعند الصباح اشتريت ما تيسر من الخبز والحلاوة وذهبت لرؤيته في الصباح الباكر . عندما رآني ضحك عاليا وقال لي ما بدك موسيقى يا