واصف جوهرية

191

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

بمجاعة زيادة عن الحرب هذا بالإضافة إلى الأمراض التي انتشرت في البلاد بسرعة أمراض فتاكة مثل التيفوس والتفوئيد والملاريا والجدري . وغير هذه الأسماء وفتكت بالجنود وما تبقى من الشعب والعياذ باللّه . دار العم إسماعيل بك الحسيني « 1 » كانت والحق يقال أن دار المرحوم إسماعيل بك الحسيني في محلة الشيخ جراح بالقدس من أرقى وأجمل وأضخم منازل السكن في البلد وهي مبنية على النمط العثماني شبيهة بعمارات إستانبول واعتقد جازما بأن التصميم من هناك ربما بواسطة أخيه شكري بك الحسيني أكبر ذات عربي كان زمن السلطان عبد الحميد ومن عرف دار إسماعيل بك يجد بأنها محاطة بمساحة كبيرة من أشجار الصنوبر والحب قريش مما زادت البناء روعة وجمال . وقد عاش إسماعيل بك فيها كملك في قصر وكان رحمه اللّه لا يترك شخصية رسمية وتزور القدس إلا وكان يدعوه إلى بيته فكنت تجد متصرف لواء القدس ومن حوله من موظفي الدولة على مائدته المفتخرة يتنعمون بما يقدم لهم من أصناف المأكولات والمشروبات بصورة يعجز القلم عن وصفها وقد شاهدت وحضرت الكثير من هذه الدعوات في العهدين العثماني والبريطاني على السواء . كان رحمه اللّه يحب عيشة الترف وكان له عربة تجرها الخيل الحمراء ولها عربجي خاص تدخل من المدخل الواقع في سور الدار الحديدي إلى مكانها . وإني لم أزل أذكر العائلات الراقية من الأجانب والتي كانت سيداتها على جانب عظيم من الجمال أمثال عائلة الدكتور ميجاراكي اليونانية المشهورة آنذاك فكانت كريمات هذا الدكتور آية في الجمال والأناقة وكان يضرب بجمالهن وأناقتهن المثل بالقدس . وهكذا كانت أهالي مدينة القدس ترفع رأسها شامخة وتفتخر بجود وكرم إسماعيل بك النادر في ذلك الزمن . ولما غزا الجراد مدينة القدس وقضى على مزروعات البلاد وأشجارها وحدائقها فلم تقع عينك على غصن أخضر في مدينة القدس سوى في حديقة إسماعيل بك فبواسطة المساعي التي بذلها وما أنفقه على هذا الموضوع من مال بقي والحمد للّه هذا البستان وكأنه جنة عدن بالقدس ، وإليك الطريقة : جاء إسماعيل بك بخدمه وهم كثيرين من أهالي قرية بئر معين قضاء يافا فأوقف الفلاحين فوق كل شجرة في الحديقة يدقون على صفائح التنك مما جعل الجراد المعروف بالطيار بعدم الهبوط على الحديقة وذلك من ضجيج صوت التنك . وأما الجراد المعروف بالزحاف فقد جاء بمعلمين [ سنكرية ] خاصة من قولونية الأميركان اللذين يقيمون بجانب الدار المذكورة وركب عبارة عن محقل على كل أرومة من الشجرة في الحديقة فكان عندما يحاول الجراد التسلق على الأرومة يصطدم بهذا المحقل الذي يقذف به إلى أقنية من الصفيح أيضا تنزل به إلى هاوية خاصة وفيها النار فيحرق بالحال وهكذا حتى حمى هذه الحديقة الجملة . كنا نجلس تحت ظل هذه الأشجار في النهار والليل وقد أصبحت الوحيدة بالقدس والضيوف التي كانت لا نتقطع يوميا عن زيارته خصوصا في مدة الحرب العظمى من القواد وكبار الموظفين وجميعهم يثني على ذوق إسماعيل بك السليم

--> ( 1 ) وهي عمارة فندق الأمريكان كولوني حاليا .