واصف جوهرية
مقدمة 21
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
ساهمت المذكرات الجوهرية بطريقتها الخاصة ، في رأيي ، في إعادة النظر في هذا الخطاب السائد عن الهوية الفلسطينية في مجالين : الأول يتعلق بالافتراضات في شأن طبيعة الهوية الذاتية للمقدسيين بشكل خاص ، وللفلسطينيين والشوام بشكل عام ، في هذه الفترة الانتقالية المهمة ؛ والثاني يتعلق بتحديد علاقة الوجدان الديني الشعبي بتبلور وتكوين الهوية الوطنية التي تتجاوز النطاق المحلي . ومع أن المجتمع المقدسي كان يتسم بهوية دينية قوية الملامح إلّا إن حدود التجمعات السكانية لم تأخذ شكلا طائفيا بالدرجة الأولى ، ولا طابعا إثنيا ( ربما باستثناء التجمع الأرمني في منطقة البطركية الأرمنية ) ، وإنما أخذت طابع " المحلة " - كما كانت تعرف الأحياء الأهلية في الفترة العثمانية . وتمت إعادة صوغ وحدة المحلة في فترة الانتداب البريطاني لمصلحة نظام الحارات الرباعي - الذي ارتكز الآن على قاعدة دينية طائفية وتفرعاتها المذهبية الأصغر . فحارة النصارى أصبحت مكونة من دير الروم وتوابعه ، ومن تجمعات السريان والأقباط واللاتين ، إلخ . وفي الشمال الشرقي من المدينة داخل السور تم إطلاق اسم حارة المسلمين على المحلات ( جمع محلة ) التي سادت فيها أغلبية إسلامية ، وهو مفهوم انتدابي مستحدث بدأ بتكريس التقسيمات الطائفية في مواجهة تبلور الوجدان القومي فوق - الديني . لكن التحدي الوطني - القومي كان أحد الأطر التي بدأت بإضعاف الوجدان الطائفي . ونراها هنا تقوم في مقابل علاقات المحسوبية والحماية والتكافل بين عائلات أشراف القدس وحلفائهم من الفئات المهنية والصناع والمستخدمين ، كما هو الحال - في هذه المذكرات - في علاقة آل الحسيني بعائلة جوهرية . وهي علاقة استمرت من جيل إلى جيل . تمتد مذكرات جوهرية الكاملة أربعة وستين عاما ( 1904 - 1968 ) من تاريخ القدس الحديث العاصف ، وتغطي أربعة أنظمة حكم وخمس حروب . والأهم أنها تشكل معلما لانتقال المجتمع الفلسطيني إلى الحداثة ، ولخروج سكان المدينة المسوّرة إلى خارج تخوم انغلاقها . كان والده ، جريس ( جرجس ) ، مختار الطائفة الأرثوذكسية الشرقية في البلدة القديمة ( 1884 ) ، وعضوا في مجلس بلدية القدس ، برئاسة سليم الحسيني ثم فيضي العلمي . وكونه تدرّب محاميا ، فقد ألّم بالقانون الشرعي الإسلامي وأتقن عدة لغات ، بما فيها اليونانية والتركية والعربية . وقد عمل فترة قصيرة مخمّن ضرائب حكوميا ، إلّا إنه تحول لاحقا إلى العمل الخاص ، فأصبح ملتزم حرير ناجحا في العيزرية ، ومالكا لمقهى عام على نهر الجريشة . كذلك كان صانع أيقونات ماهرا ، وموسيقيا هاويا ، الأمر الذي يفسر تشجيعه لواصف على تعلّم عزف العود منذ شبابه المبكر . أمّا والدة واصف ، هيلانة بركات ، فتحدرت من عائلة أرثوذكسية بارزة كانت تقطن فيما أصبح يعرف لاحقا باسم حارة النصارى . وبما أن جريس ، والد واصف ، عاش في حوش عائلة بركات السكني قبل انتقاله إلى حارة السعدية ، فقد أصبح صديقا لوالد هيلانة . وعندما توفي هذا الأخير في سن مبكرة ، تولى الشاب جوهرية العناية بولدي بركات ، وتزوج هيلانة التي كانت تصغره كثيرا ، عندما أصبحت بالغة . أين نضع آل جوهرية في السلم الاجتماعي لمدينة القدس في نهاية القرن التاسع عشر ؟ إن المعطيات التي يقدمها المؤلف مربكة إلى حد ما . فمن جهة ، كان الوالد والجدّ ، كما يبدو ، يحتلان مناصب عامة مهمة في كل من واصف جوهرية ووالده .