واصف جوهرية

171

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

صبيحة ذات يوم سلمني إياها وقدمتها إلى حسين أفندي الحسيني في داره بمحلة الشيخ جراح المعروفة وهكذا سلم الوالد برفيقة حياته الوفية والتي رافقته مدة أربعة وثلاثين سنة تقريبا كما كان يقول لنا . اعتناء الوالد بمؤونة البيت بالنظر لدخولنا في الحرب العظمى وتخوف الشعب من غلاء أسعار المواد الغذائية في البلاد استغلت تجار المدينة الموقف وبدأت بخزن المؤن من كافة أنواعها في بيوتهم خوفا من مصادرتها من قبل الجيش بما كانوا يسمونها بتكاليف الحرب وقد أصبحت البلاد في حالة فوضى وقد حاول العائلات بشراء ما أمكن شرائه وخزنه في بيوتهم وكذلك إبتدأ والدي وبواسطة بعض الأصدقاء من التجار خزن ما أمكن شرائه على قدر المستطاع وكنت أنا وأخي توفيق ننقل ذلك على حماره السمن والزيت والأرز والعدس والحمص والصابون والسكر والبن وغيره والذي من المتوقع القضاء عليها في البلاد بعد مدة قليلة بمناسبة الحرب العظمى . لم يعرف الوالد أن جميع ما ابتاعه كان ويا للأسف لأجل إطعام الزائرين في أيام عزائه فاسمع يا أخي ما يلي : وفاة الوالد عند الصباح من نهار الأحد الواقع في 22 أيلول سنة 1914 كان والدي جالسا في الصالون ( فصفق بيده حسب عادته عندما يرغب أحدا منا ) لأن صوته لم يساعده على النداء جئت وأخي توفيق وإذا هو يقدم لنا ورقة يخط يده وموقعه بإمضائه وقال : ولك خذ إقرأ ما أبدع هذا الشعر ! ! أخذنا الورقة وكانت مكتوبا فيها : " الموت نقاد على كفه جواهر يختار منها الجياد " وحقيقة كان بيتا من الشعر رائعا ثم وضعنا الورقة بجانبه وذهبنا . وكان شديدا عديدا ونزل السوق ورجع عند الظهيرة . وبعد الظهر ( القيلولة ) حاول أن يلبس كندرته [ أي حذاءه ] لأجل الذهاب إلى باب العامود ولكن شاء القدر أن تمنعه الوالدة وقالت بكفيك نزلت في الصباح فإبقى اليوم في الدار وخصوصا عليك سهرة عماد حنا المنى في هذه الليلة جارنا كما وعدتهم يا أبا خليل . فقبل وقال لنا خذوا الحمار أنتم ( أنا وأخي توفيق ) واذهبا إلى المنشية للنزهة . وهكذا ذهبت وأخي توفيق وبقي والدي في البيت وعند الخامسة تقريبا أصابه فجأة وعكة في حنجرته وكانت قوية فأغلقت رقبته تماما وبقي حول ساعة من الزمن يضرب بيده اليمنى بكل قواه على رقبته حتى فارق الحياة وكنا في هذه المدة حوله لأن دار جيراننا المنى هم توزعوا في الحال في البلد وتمكنوا من إحضارنا والأخت عفيفة والأخت جوليا والعمة أم جميل . ومع الأسف لم يحضر وفاته أخي خليل الذي كان تحت السلاح في الجندرمة في بيروت كما ذكر عنه سابقا ، ثم أختي شفيقة لسوء حظها لم تتمكن من رؤيته لأنها كانت ساكنة في بيت جالا فوصلت في ثاني يوم وحضرت الجنازة فقط .