واصف جوهرية
169
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
إلى الجمهور الذي أصبح في حالة مزعجة من الجوع والعطش وهو ينتظر الطائرة التي مع كل أسف لم تصل . الأمر الذي جعلنا ووالدنا نرجع الدار من شدة الجوع والحر والتعب . وبعد الظهر من ذلك النهار أخذنا خبر سقوط هذه الطائرة فوق سمخ [ في طبريا ] وقتل من فيها من الطيارين العسكريين كان اسمها كما أذكر ( نوري ) من خيار الشبان المتعلمين في فن الطيران الذي كان جديدا في العالم وأصبحت أيام حزن وأسى من قبل الدولة والجيش والشعب وقد ألفت ولحنت أغنية خاصة لمقتلهما وغنيت هذه الأنشودة في طول البلاد وعرضها وكان خبر وفاتهما تشاؤم لدى الأوساط السياسية في ذلك الوقت من إعلان الحرب العظمى وكان اسم الثاني إسماعيل . « 1 » وصول طائرة أخرى مضت مدة على حادث حطام الطائرة الأولى المبين أعلاه ثم وصلت بعد مدة من تلك السنة 1914 وهبطت لأول مرة في ذات الموقع في البقعة الفوقا فشاهدناها لأول مرة في حياتنا وكانت حربية وفيها ضباط من الجيش العثماني والألماني معا . السيارة الأوتوموبيل أما وصول أول سيارة أوتوموبيل للقدس فكان في سنة 1912 فقط . وكانت السيارة من نوع فورست وفيها أجانب وقد لفتت أنظار الشعب بدهشة وقد مرت آنذاك عن قرية العيزرية فوقفت أهالي القرية وقالوا أن عربية بدون خيل شاهدوها تسير على الطريق وعندما انتشر الخبز تجمعت أهالي القرية ومن بينهم صديقنا صبري خلف ينتظرون رجوعها وبالفعل بعد ما زارت أريحا والشريعة [ أي نهر الأردن ] والبحر الميت رجعت ومن فيها فمرت عن العيزرية على مرأى من الجميع فدهشوا جدا لمشاهدتها . أما نحن فقد رأيناها من المنتزه البلدي تسير في شارع يافا - القدس وقد كانت رحلتها بواسطة معارف كولونية الأميركان المستر فستر . أركيلة الوالد إن الوالد كان يعتبر في القدس من أشهر المدمنين على شرب الأركيلة . « 2 » وكان له ذوق خاص فيها وقد اختص بأركيلة نادرة من جميع الوجوه ولها بيتا خاصا فترافقه في رحلاته دائما أبدا ضمن شانطة داخل عين الخرج . كانت من الفضة صنع قديم في غاية من الدقة والبنورة كانت من الصافي ولونها أبيض مما كانوا يسمونها بالحجر . وقد منعه الطبيب من استعمال الأركيلة خصوصا بعد الحادث الذي وقع له مؤخرا في دير عمرو بسبب إلتهاب الحنجرة والمدون سابقا ، والذي كان قضى على حياته نهائيا رحمه اللّه . وهكذا صمم الوالد على تركها وقدمها هدية لأعز صديق له ، ففي
--> ( 1 ) هذه الطائرة وصلت بالفعل لمدينة يافا واستقبلت هناك من قبل رجالات الحكومة والضباط الأتراك واحتفل بنوري بك وإسماعيل بك في فندق لورنس وبعد تناول الغذاء وتصورا في بستان الفندق ودعوا بالحفاوة والتكريم وبعدها حدثت الكارثة وتوفيا وإني أحتفظ برسوم هذه المشاهد في يافا . ( 2 ) كلمة الشرب بالعامية تستعمل للتدخين أيضا .