واصف جوهرية

161

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

خصوصا عندما غنى لما منعت الواد ، وبعدها الآهات ونحن نردد ما وجب ترديده من الكلام والآهات حتى أقر هؤلاء الضباط رغما عن عدم معرفتهم اللغة العربية بأن الموسيقى العربية هي أطرب وأرقى من التركية فكلها عواطف تهز المستمع هزا . وهكذا عزفت على العود وغنيت في هذه السهرة ساعات مما لفت أنظار القولاغاصي فأصبح سندا لي في طيلة مدة الحرب العظمى كما سيجيء البحث في هذا الموضوع في حينه من هذا الكتاب . وكانت أسطحة وشبابيك البيوت المجاورة لدار العم أبو العبد وساحات الدار الخارجية يعج بعشرات السيدات المحجبات يستمعن إلى هذا الفرح وكان ويا للأسف الأخير من نوعه بين أهل القدس لأنه كان عند ابتداء دخول الحرب العظمى التي قضت خصوصا على الشعب العربي وحياته . أنا وعودي في بيت العم أبو العبد بعد أسبوع واحد من هذه السهرة مر المرحوم العم أبو العبد ( مصطفى الجبشة ) ورجا والدي بأنه يرغب العود وطلب منه أن أوصله له في البيت فسمح والدي لي بذلك وكانت ليلا . رافقت العم أبو العبد ومعي العود ولم يتركني أبدا بل دخلت إلى بيته وشربنا على أمل أن أدوزن له العود ، فأخذ الطرب منا جانبا وقلت حقا من قال " وعند صفو الليالي يحدث الكدر . " جاء والدي إلى بيت العم أبو العبد غاضبا وعاتبني على ما عاقني هناك فأبديت له المعاذير ولكن بدون جدوى لأنه كان لا يحب أن أذهب والعود لوحدي مطلقا . دق الطبول وإعلان دخول الدولة العثمانية في الحرب العظمى سنة 1914 تموز ازدادت الحالة سوءا بالقدس وانتشر الرعب بين الشعب لماذا ؟ لأن الدولة قد وزعت مكاتيب مغلقة مختومة في الشمع الأحمر إلى جميع مختاري المدن والقرى في البلاد بواسطة متصرف لواء القدس وحذروهم بعدم فتح أو فض هذه الظروف المغلقة إلا عندما تقرع الطبول تنبئ بالغرض الذي بموجبه وزعت هذه المكاتيب ووزعت هذه المكاتيب في نيسان سنة 1914 . وهكذا قلقت الأفكار وتخوف الشعب خصوصا الطوائف المسيحية في البلاد من هذه المكاتيب وماذا يكون مضمونها يا ترى ؟ هل لا سمح اللّه تصبح البلاد في فوضى ويصير التعدي على المسيحيين والأقليات في البلاد ، وكان الشيء الذي زاد تخوف الأهلين بأن هذه المراسيم المغلقة بقيت لمدة تنوف عن الشهرين محفوظة لدى مختاري المدن والقرى لم يستطع أحد من معرفة مغزاها وما نص داخلها . وأخيرا وفي ظهر نهار الجمعة عند الصلاة في المسجد الأقصى قرعت الطبول ، وصدرت الأوامر بفتح هذه المراسيم المغلقة كما جاء من أولي الأمر في البلاد وإذ هو : صفحة طولها ربما يبلغ السبعين سنتمتر متر بعرض 55 سنتمتر لونها أحمر فاتح ومرسوم عليها بألوان بارزه العلم الأخضر ومقابله العلم الأحمر وبين هذه الأعلام من الأسفل رسم مدفعا لونه أسود ومكتوب تحته " سفر برلك برنجي