واصف جوهرية

147

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

كان دائما يصيب الهدف عندما يرمي الفوط إلى أعلى ، وكان ولا شك خبيرا في هذا الفن . ثم من المعلوم بأنه كانت العادة خصوصا عند الرجال أن يدفع الزبون ما تجود به نفسه من النقود أجرة الحمام إلى الحمامجي وكان الأخير يضع ما قبضه من نقود في جيبه أو في جارور طاولته بدون أن يعدها ولا يوجد عنده فيئة مربوطة للأجرة . هذه صورة واضحة أقدمها للقارئ لكي يتأمل ما كان الفرق بين حمام الرجال والنساء ثم أرجو بأن تكون هذه اللمحة كافية لأخذ فكرة عن حمامات ذلك العهد في تركيا بالقدس . عمر وزيارته الرملة والذي كان يزيد رؤية هذا الرجل ضحكا طريقة مشيه فقد عرفت القارئ أعلاه فقد كان يمشي ويتمايل على الجهتين بالنظر لإعوجاج وتشويه رجليه وقد صادف وحدث معه هذا الحادث الطريف والذي كان معروفا أهالي القدس . عندما كان عمر شابا وقبل معرفتنا للعربات بالقدس ( وكان طبعا هذا في عهد والدي ) سرق عمر من والدته بعض نحاس البيت وباعها وقبض ثمنها واشترى الخبز والجبن والحلاوة وذهب مشيا على الأقدام إلى أن وصل قرية قالونية ونام فيها . وعند الصباح أخذ ما يلزمه من أكل فمشى رويدا رويدا إلى أن وصل باب الواد فنام في بيت أسعد قطينة ، وفي صباح اليوم الثالث مشى فوصل الرملة في المساء وهو منهوك القوى من التعب . ولحسن الحظ وجد ( ما كان يسمونه " التخت روان " كانت صندوقين من الخشب القوي الملفوف بالحديد أشبه بسرير صغير وله سقف من المطر يحمل على بغل ويسافروا به إلى البلاد البعيدة ) . فدخل سرا في إحدى هذا التختروان . ونام من شدة التعب دون أن تعلم به القافلة والمكارية . ويظهر بعد العشاء مشيت القافلة ليلا بجد ومعها السياح فوصلت القدس عند الضحى ، وكانت القافلة تتخذ مكانا لها خارج باب الخليل فلما أنزلوا التختروانات من على ظهور الخيل والبغال تحرك عمر وصحي من نومه وخرج من التختروان وفرك عينه ظانا بأنه لم يزل في الرملة وبدا يسائل نفسه قائلا : شوف هالعكاريت أهل الرملة ، قال عندهم سور مثل سورنا ! تماما . يا سلام يلعن أبوهم واللّه مثل باب الخليل يا سلام ومشى قليلا ثم وقف أمام السبيل وقال " شوف قال كمان عاملين سبيل مثلنا ! ! " ثم مشى ونزل سويقة علون فوجد السمان حب رمان فقال له " واللّه يوجد عندنا واحد في القدس اسمه حب رمان يشبهك تماما " ! فأجابه حب رمان " اللّه لا يصبحك بخير ويسود وجهك بيظهر يأتيه السكرة معك لهذا الوقت " ؟ ثم تركه ومشى فجلس على قهوة صرصر في عقبة خان الأقباط فخاطب صاحب المقهى صرصر ، واللّه عندنا واحد بالقدس اسمه صرصر كأنك أنت هو نفسه سبحان اللّه ! فأجاب صرصر يا عمر مالك ما هو صرصر بذاتي . فقال عمر وإي متى جئت الرملة ؟ فضحك صرصر وقال " العما في قلبك ما أنا بالقدس شو الرملة " . وبعد الجدال إقتنع العم عمر بأنه بالقدس حقيقيا فجن جنونه ورجع إلى القافلة وتخاصم مع المكارية معاتبا إياهم :