واصف جوهرية

143

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

فقط إنما قوته عظيمة فقد كان يمسك بيده اللحم المعروف ( بالشذاة ) ويأكلها ثم يمرمش العظم ويمصمص بأسنانه الطبيعية الكاملة في فمه وكأنه شاب في عز صباه ، ثم وبعد الأكل يتناول ما يكفيه من أكل الحلوى ( الهيطلية ) وإني لا أبالغ فكان رحمه اللّه يشد بيديه الكرمية ، ويضعها على فمه حتى يشرب ما عليها من السمن واللّه يشهد وكنا والحالة هذه نعجب ونبحلق في عيون بعضنا البعض من الدهشة والعجب . وكان حسين أفندي يداعبه لأنه صديق والده الحاج سليم ويتكلم معه مرات بواسطة نربيج الأركيلة يضعه في أذنه . كان هذا الشيخ أكول معروف وكانت جميع سكان تلك الخربة ( بيت نتيف ) عائلته أولاده وأحفاده وأنسبائه من تزوجوا من بناته فكنت ترى شيوخا يجلسون معنا والشيب في لحاهم ويقولون يا يابا . أخذونا إلى محل أثري في هذه الخربة وشاهدنا قاعة كنيسة بيزنطية كبيرة والهيكل من جهة الشرق ، وكل أرضها بالفسيفساء الملونة الأشكال والألوان بطريقة هندسية جميلة ويتخللها النقوش والطيور وفي صدر قاعة هذه الكنيسة المهدومة حيطانها تماما كتابات مفسرة باللغة اليونانية وقد أعطاني والدي الورق الشفاف ( الذي جاء به خصيصا لهذا الأمر كما فهمت منه ) فكنت أضع الورق فوق الكتابة المكتوبة بالفسيفساء أيضا حتى تمكنت من أخذ صورة طبق الأصل . وكانت كما عرفت مؤخرا أن هذه الرحلة كانت بطلب من غبطة البطريرك ذميانوس الذي كانت له رغبة بشراء الكنيسة الأثرية هذا وما حولها من الأراضي بواسطة حسين أفندي الحسيني لأجل أن يقيم ديرا خاصا يكون ملكا للبطريركية الأرثوذكسية لزيارة الحجاج ، وقد قدمت هذه الصورة بخط يدي إلى البطريرك وجرت المداولة إنما مع الأسف صادف دخول الحرب العظمى الأولى ولم تتم الصفقة . وكانت فكرة غبطة البطريرك بأن يحتفظ بمحل ما للبطريركية الأرثوذكسية في قضاء الخليل الذي هو خال من أي أثر للمسيحيين عدا عن عمارة الروس في مدينة الخليل . رجعنا من هذه الرحلة الميمونة إلى بيت سوسين وأما حسين أفندي فقد رجع القدس لعظم مسؤوليته في رياسة البلدية . شطحة أريحا بمناسبة عيد الغطاس للروم الأرثوذكس سنة 1911 اتفقت أختي عفيفة زوجة قسطندي عبد النور مع ما يقرب من سبعة عشر عائلة من المعارف والأصدقاء على حضور هذا الاحتفال المقدس في نهر الأردن . [ ألغيت أسماء العائلات من شطحة أريحا ] ، ولما كنت نجحت على عزف العود في ذلك الوقت سمح والدي بالذهاب مع الأخت عفيفة وعائلتها ، وهكذا ركبنا جميعا من رجال ونساء وأولاد على البغال والحمير وخرجنا من باب الأسباط ولم أنس هذه الرحلة فكم من المرات نجد بأن هذه السيدة وقعت من على الحمار وهذه وقع الحمار وهي راكبة عليه وأخرى قطعت ربطة السرج ، والكل في شوباش وأغاني على طول الطريق يتخللها صوت أزيز الرصاص من بنادق الصيد والمسدسات التي كانت مع أكثر رجال الركب وقد استرحنا أولا في عمارة الحوض وأكلنا ما كان معنا من الطعام ( النواشف ) وبعد ما أكلت وشربت الحيوانات عدنا ركبنا إلى أن وصلنا خان الأحمر وبعدها المرازي فاسترحنا أيضا وأخيرا