واصف جوهرية

141

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

رحلتي مع حسين أفندي ووالدي إختصني رحمة الوالد وكان حظي عظيما عندما ذهبت معه وبمعية السيد حسين أفندي الحسيني وكان آنذاك رئيس بلدية القدس . بعد ما قضينا ثلاثة أيام في خربة دير عمر وكان صيفا أخذنا الطنبورة رقم 2 فسافرنا إلى بيت سوسين فأقمنا خمسة أيام تعب فيها حسين أفندي في القضاء ما بين فلاحين قرية سريس « 1 » وبيت محسير « 2 » وأخيرا بيت [ غير واضحة في الأصل ] فكانت تنصب المحكمة في البيارة هناك منذ الصباح إلى بعد الظهر فحل مشاكل كانت معقدة بين الفلاحين والتي لا يمكن حلها في محاكم الدولة ، وعلى أثر هذه المشاكل أذكر بأننا اضطررنا إلى الذهاب إلى قرية بيت محسير . قرية بيت محسير وصلنا هذه القرية من قضاء القدس وكان حسين أفندي راكبا دراجة هوائية [ ! ] ذات اللون الأزرق الرمادي أما والدي فكان يركب حماره ، وأنا كنت راكبا حمارا من حمير الفلاحين في بيت سوسين [ . . . ] أتعبني جدا في هذه السفرة . بعد ما وصلنا إلى القرية إستقبلنا الأهالي بكل حفاوة ولكن أبوا أن نقضي أوقاتنا في القرية إنما بعد إستراحة قليلة واصلنا السير إلى قمة جبل القرية وحقيقة دهشنا جدا لما تمكنا من مشاهدة جميع القرى المجاورة حتى والبعيدة منها بالنظر لعلو الموقع وهو ولا شك موقع إستراتيجي ومن المواقع النادرة في جميع قرى قضاء القدس . وإني ألفت نظر القارئ أن قمة هذا الجبل مزروعة بأشجار الصنوبر والقريش القديم مما زاد مجلسنا روعة وجمال وخصوصا ونحن في أيام الصيف على ما أذكر سنة 1912 . والجدير بالذكر أن قبور أهل القرية كانت منثورة تحت ظل هذه الأشجار والشيء الذي لفت أنظارنا هو كبر حجم القبر وارتفاعه عن مستوى الأرض والقبر مقام وكأنه بيت صغير لا يستطيع الزائر أن يعرف بأنه قبر حقيقي وهكذا يدخل الأنس وعدم الخوف والرعب في نفوسنا وعليه لا تعجب أيها القارئ بأننا قضينا أربعة أيام ولياليها وكانوا يمدوا لنا الفراش فوق هذه القبور وما أحلاها من نوم والجميع من خيار أهالي القرية المحيطة بنا يهرجون ويدبكون ويغنون الأهازيج على صوت الناي وكانت ليالي مقمرة بين 12 - 16 من القمر الأمر الذي لن أنسى هذه الرحلة ما دمت حيا . أما شيخ هذه القرية وكان رحمه اللّه مشهورا في كرمه وجوده فهو المرحوم الشيخ علي صالح وكان رجلا كبيرا من عمره يبلغ ربما الثمانين ، وكان يود حسين أفندي ومن رجال الحاج سليم والد حسين أفندي فتواصلت هذه المودة والألفة وكنا في الصباح والمساء نأكل المنسف الشهي وكان منسفا محترما لما كانت هذه القرية عليه من بذخ ورخاء بالنسبة إلى باقي قرى قضاء القدس . وفي هذه الحالة لم أجد مجالا آنذاك من الغناء على الطنبورة التي كانت معي لكثرة مواصلة الأهازيج من أهالي القرية وقد شاركتهم في الدبكة بأغنية " وأسمعوا يا ناس وأيش قال اللبيب - في بلدنا حللوا ذبح الخطيب " .

--> ( 1 ) سريس ( ساريس ) قرية في غربي القدس قرب طريق يافا - القدس احتلت في 13 نيسان عام 1948 من قبل الهاغاناة في عملية نخشون وهجر سكانها وأقيمت مستعمرة مشوريش عام 1948 على مقربة من القرية . ( 2 ) بيت محسير قرية في شمال غربي القدس هجر سكانها في أيار عام 1948 وأقيمت في موقعها مستعمرة بيت مئير .