واصف جوهرية

139

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

رأسه إلى قدمه ، وكان رجل طويل القامة ، ذو لحية سوداء ، مجسما ، يرتدي جاكيتا من الجلد الأسود فوق بنطلون سفري وفي رجليه جزمة أنيقة ، وعلى عيونه النظارات السوداء وعلى رأسه كلبكا أسودا أنيقا . ورجعت لوالدي في الحال وأبديت وصفه وقلت ماذا ؟ من هو هذا الشخص يا ترى ؟ . . أجاب " ولك أنا بقول أنا نيازي باشا . . القائم بثورة الحرية . . " قلت له ومن قال لك ؟ " . . قال ( لا أحد ) إنما شبهته بالصور الذين نراهم في الجرائد . . وبعد يومين فقط على ما أذكر إذ قرأنا خبرا في جريدة القدس يقول " أن نيازي باشا كان بالقدس وقضى ليلته في فندق فاست باب الخليل " وكانت رحلته بالكتمان الشديد وقد حضر إلى أريحا وسافر راكبا فرس خليل بك الداودي واصطحب المذكور في معيته إلى القدس وقد جاء أريحا عن طريق الأردن . ( وكان خليل بك آنذاك مدير ناحية أريحا ) . قال والدي " كيفك يا واصف ؟ . . فدهشت وإخواني وأصدقائنا من فرط ذكائه رحمه اللّه . خليل في سلك الجندرمة أعطيت فكرة صغيرة عن حوادث الأخ خليل منذ نشأته تلك الحوادث التي أزعجت أفكار والدي وأدخلت عليه الكدر وعكرت صفوه ولم يستطع الصبر ففكر في أمر عسى أن يريح خليل ويرتاح هو من تصرفاته الشاذة . وعندما أوشك خليل على قرب سن العسكرية تقدم والدي بطلب رسمي وعرض على الحكومة رغبته في تقديم ولده ومهجة كبده خليل المدلل والذي ولد بعد أربعة بنات أن يخدم الجندرمة في بيروت وذلك منذ الآن وقبل أن يطلب رسميا من طرف الحكومة . وهكذا كان وقبل خليل وسافر إلى بيروت وبقي فيها وقضى مدة الحرب العظمى [ التي ] في أثناءها توفي والدي ولم ير خليل ويا للأسف . لو رغب والدي لكان خلص خليل من خدمة الجيش وزوجه من ابنة غريبة كما كانت العادة عند المسيحيين آنذاك ، أو جعله بعمل صناعي ولا يتكبد حمل السلاح وخدمة الجيش التركي وهو في أول صباه ، ولكن حبه للوطن وإخلاصه لبلاده ووجود خليل الشاب المثالي لحمل السلاح فقد وافق على خدمته الجيش بكل طيبة خاطر . وهكذا كانت فترة شقاوة الأخ خليل في زمن وحياة والده . دخولي مدرسة السان جورج الإنكليزية بالقدس رغب حسين أفندي الحسيني وهو ولا شك بصفته والدي الثاني رغب بأن أترك المدرسة الوطنية الدستورية فأدخلني مدرسة السان جورج الإنكليزية بالقدس وذلك لأن أتقوى في اللغة الإنكليزية والتي تكون أساسا منيعا لكسب المستقبل فدخلت أول سنة 1912 وثابرت على العلم فيها إلى أن دخل تركيا الحرب العظمى الأولى فأغلقت هذه المدرسة في أوائل سنة 1914 عندما كنت في الصف الرابع ثانوي ، وهكذا في مناسبة إغلاق هذه المدرسة أنهيت العلم نهائيا ويا للأسف ولم يساعدني الحظ على تكميل العلم حتى ولا الحصول على شهادة هذه المدرسة .