واصف جوهرية

136

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

ومن الغرب شارع الكنتورة ملك الروس أيضا ومن الشمال طريق مياشعاريم ومن الجنوب شارع يافا العام فتصور يا أخي ساحة هذه العمارة ضمن الأربعة المبينة أعلاه . وفي منتصف هذه العمارات تجد الكنيسة الروسية المشهورة فما من أحد من أهالي مدينة القدس إلا ويعرف صوت أجراس قبة هذه الكنيسة الجميلة خصوصا عند الساعة الرابعة من بعد ظهر كل يوم من السنة . ولسور هذه العمارات أربعة أبواب رئيسية في كل جهة من الحدود الأربعة بابا واحدا وأهمها الباب الشرقي الذي يودي إلى مدينة القدس . فكنا ونحن صغار يسمح للشعب بدخول الباب الشرقي والتفسح في البساتين تحت الأشجار لغاية موعد الصلاة عند الرابعة من بعد الظهر وكانت الحراس على الأبواب من العبيد الأقوياء وكنا نشاهد بعض الكلاب النادرة الكبيرة الحجم تقارب علو الجحش ولونها أسود حالك ذو الشعر الجعدي وهي من بلاد الروس . أما في أيام عيد الفصح المجيد فكان يسمح لأولاد أهل المدينة أن يدخلوا المسكوبية ويصعدوا إلى جراسيات الكنيسة ليدقوا الجراس وهكذا كنا نترقب هذه الفرصة وندق الأجراس والنواقيس المختلفة الأصوات بكل فرح وسرور . وبهذه المناسبة كان المرحوم والدي يغضب لهذا الإكرام والجود من قبل الروس لأولاد المدينة ويقول أما كان من الأفضل أن يقدموا لكم شيئا من النقود أو الحلوى بمناسبة عيد بدلا من هذه المخاطرة والصعود إلى قبب الأجراس العالية ! التعصب في الدين لدى حجاج الروس من عرف زوار أو حجاج بيت المقدس اللذين كانوا يأتون بالألوف زمن الحكم العثماني وما كانوا عليه من إيمان أعمى في الدين المسيحي والتعصب الشديد يعجب حقا كيف نجحت ثورة البلشفيك في بلادهم ! ! كانوا يسيرون في البلاد المقدسة مشيا على الأقدام مثلا من القدس إلى أريحا إلى نهر الأردن ثم يرجعون ومنهم من بلغ الثمانين والتسعين من عمره . فأين ما حلوا كانوا يشربون الشاي على جانب الطرقات الرئيسية وهكذا كانت العائلات الكثيرة في بلادنا تعيش على هؤلاء الحجاج فمنهم بائع الشاي والسكر والخبز والجبن واللحوم ويربحون الأموال الطائلة تكفيهم طيلة السنة ثم المكارية والعربات والخيل والبغال التي كانت تنقل ما لزم لهذه الألوف من البشر من الغذاء والمؤن وكانوا على أي صغيرة أو كبيرة يصلون ويصلون وإني لا أبالغ أننا كنا نشاهد النساء منهم عندما يكونوا سائرين في الشارع يتجولون من محل إلى آخر ، فعندما ترغب السيدة منهم قضاء حاجتها ، تفتح رجليها وهي واقفة ، ثم تبدأ أن ترسم الصليب على وجهها إلى صدرها ثلاث مرات وبعدها تقضي حاجاتها فتستمع إلى خرير الماء يتدفق منها [ على ] الأرض في الشارع وأخيرا ترسم الصليب وتمشي ! ! ولذلك كنا ندعوهم ب " الدوبرو " أي الدراويش .