واصف جوهرية
مقدمة 17
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
تجدر الإشارة هنا إلى الجهد الهائل الذي بذله واصف جوهرية في تزويدنا أسماء كل الأشخاص المصورين . فهذا الجهد إذا ما وضع في الإطار التاريخي الخاص به يزيد في اطلاعنا على طبيعة المرحلة التاريخية ويعطيها وجهها الإنساني . كذلك الأمر فإنه يقف في مواجهة التيار الشائع في كتابة تاريخ فلسطين والقائم على تجاهل الوجود الفلسطيني ، على الأقل بالمعنى الاجتماعي والإنساني ، وفي الوقت ذاته التركيز على حضور " الآخر " . على سبيل المثال : الصورة الشهيرة لاستسلام مدينة القدس للجيش البريطاني ، التي نجدها في عدد كثير من الكتب التاريخية عن فلسطين ، ظهرت في ألبوم جوهرية مذيلة بأسماء كل المشاركين العرب فيها ( وهم الأغلبية ) في الوقت الذي تظهر هذه الصورة في الكتب الأخرى ( مثل كتاب بارثا فستر Our Jerusalem ) مع وضع أسماء المشاركين الإنكليز ( وهم اثنان فقط ) ، وأحيانا اسم رئيس بلدية القدس أيضا . « 1 » طبعا هنالك نواقص لا بد من أن تبرز في إطار مشروع كبير كهذا . فيا ليت واصف ترك لنا معلومات أكثر عن الصور ، مثل من صوّرها ، وتاريخ تصويرها ، وكيف حصل هو شخصيا عليها ، إلخ ، لكنا - ربما - وضعنا أيضا إلى جانب كل ما تعطينا إياه المذكرات تاريخا آخر يتعلق بتاريخ التصوير الفوتوغرافي في القدس . لكن واصف لم يعر ذلك أي أهمية كون ما شغل باله المشروع الأهم الذي يستند إلى استعمال الصورة كوثيقة تاريخية تتعلق بتاريخ المدينة آنذاك . وهو محق في ذلك ؛ فالصور التي جمعها تقف بذاتها كتاريخ متكامل تقريبا للمدينة آنذاك . والمذكرات في الجانب الآخر أيضا تقف بذاتها كمصدر مهم لدراسة الحياة الاجتماعية في القدس . والصور والمذكرات معا تعطينا صورة أكبر ومهمة جدا للحياة الاجتماعية والسياسية ، العامة والخاصة ، الكبيرة والصغيرة ، التي سادت في فلسطين آنذاك . وهو بذلك يقدم لنا عملا يستحق التقدير العظيم ، ويشكل مساهمة قد تكون أهم كثيرا مما قدمه الساسة في مذكرات عن تلك المرحلة ، أمثال عبد اللّه قائد الجيش العربي خلال معركة القدس ، أو أنور نسيبة الذي ترك مذكرات تتعلق أيضا بالمعركة ذاتها ، وغيرهما ممن كتبوا عن مراحل أخرى ، أو عن تجارب محددة . لكن الذين كتبوا كواصف نصا عن الحياة اليومية للناس العاديين وعلاقتهم بالأحداث التي عايشوها هم قلة بصورة عامة . واصف جوهرية يعطينا الكثير من الانطباعات الشخصية عن الأحداث ، وخصوصا عبر ترتيب الصور واختيار ما يتم تمثيله بها . لكنه اختار أن يجعل قارئه يستمتع وينتقل معنويا وبالخيال إلى القدس كما عرفها واصف آنذاك ، وذلك من خلال وصفه الدقيق لمختلف المواقع ، وللأشخاص المشار إليهم ، ومن خلال سرده البارع لتفصيلات الحدث .
--> ( 1 ) أنظر : Bertha Spafford Vester , Our Jerusalem : An American Family in the Holy City 1881 - 1949 ( Jerusalem : The American Colony and Ariel Publishing House , 1988 ) , 274 .