واصف جوهرية
107
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
خذوا هذه تنفع وصله لياتر السطول . بدنا الصرفة ! فضحك صالح أفندي وجماعته وتركوا الدكان وساروا ولم يراجعوه مرة أخرى . احتفالات الانقلاب العثماني : 11 تموز 1908 حدث الانقلاب العثماني في 11 تموز سنة 1908 في الإستانة وكانت فرحة لدى الحكومة وخاصة الشعوب العربية في البلاد فكانوا يسمون هذا الانقلاب بالحرية " حرية عدالة مساواة " أما يهود بيت المقدس فكانوا يسخرون سرا من هذا الانقلاب ويسمونه ب ( خرقية ) أي حرقية ويقولون أن الويل سيحدث بعد هذا الانقلاب . كما هو معلوم لدى العموم بأن الذي قام بهذا الانقلاب هم قواد الجيش المعروفين بجمعية الاتحاد والترقي « 1 » وعلى رأسهم نيازي وأنور وجمال وغيرهم وانتصروا على خلع الطاغية السلطان عبد الحميد الذي حكم مدة طويلة من الزمن تنوف الثلاث والثلاثين سنة حكم البلاد بالنار والظلم والاستبداد فأصبحت بحالة فقر وجهل ليس له مثيل فكان إذا ما سمع بأي شخص من بلاده وبلاد العربية بأسرها يثور وبصورة دبلوماسية وبطريقة جهنمية يرسل ويحضره إلى الإستانة ويفقده حياته إلى أن دب الرعب والجزع بين الأهلين فقضى عليهم تماما . وعلى إثر هذا الانقلاب وعين السلطان محمد رشاد أخيه جرت الزينات والاحتفالات وليالي السمر في جميع البلاد بصورة يعجز القلم عن وصفها . وإني أذكر هذه الأيام والليالي وكنت وأخي توفيق في المدرسة الابتدائية المعروفة بمدرسة الألمان الدباغة . فكانت مدينة القدس شعلة من الأنوار فلم يبق منزلا ولا عمارة ولا معهد ولا دكان ولا شارع إلا دكان منارا بالشموع ( ولم يكن عهد الكهرباء ) فوانيس صغيرة وداخل كل فانوس شمعة والأعلام والزهور وأغصان الشجر تزين المدينة لمدة أسابيع والشعب بهرج ومرج وفرح وسرور وابتهاج وإني أذكر بصفة والدي كان مسؤولا عن المنتزه البلدي في المنشيّة فكنا أنا وإخواني نتمتع بمشاهدة الكثير من الاحتفالات الرسمية التي كانت تقام فيها ليليا لمدة طويلة من الزمن وكانت فرقة الموسيقى التابعة للجيش ترفه عن الشعب يوميا تسير في شوارع المدينة وبعد الظهر تكون في المنتزه لبعد الغروب . وقد يتعجب القاري عندما يعلم بأن كل من أبناء الشعب كان يحتفظ بمسدس لأن السلاح على إختلاف أنواعه كان مباحا آنذاك فيضرب الرصاص في الشارع والبيت والاحتفالات في الهواء وكانت نشوة النصر فكنت تتخايل بأنك في معركة حرب . أما زينة محلة باب العامود فكانت تمتاز عن جميع هذه الاحتفالات ، فقد تكاتفت أهالي باب العامود والسعدية والواد على ذلك وصرفت المبالغ الطائلة وقد نصبت أربعة أقواس نصر على كل من الطرقات المؤدية إلى نوتردام دي فرانس ، المصرارة ، طريق نابلس وأخيرا طريق أريحا كما وكان ذات الباب لباب العامود مزدانا بأحسن الزينة والأنوار وكانت الساحة الفسيحة ما بين هذه الأقواس تعج بالأهالي بالأهازيج والرقص والدبكة والشوبشات والأناشيد الوطنية والحماسية لمطلع الفجر . وقد وجهت الدعوة لأهالي محلة باب حطة وغيرها فحضروا الاحتفال واشتركوا الأفراح وإني
--> ( 1 ) الاتحاد والترقي : ناقصة في المخطوطة .