واصف جوهرية
103
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
ثم يجلس وكان متري عبد اللّه وعائلته وأخته نور ومعتوق زخريا وعوض فتالة والأولاد والبنات ، جميعهم لثم أيادي الخوري الطاهرة . وعندما سألت والدتي عائلة السلفيتي عن تغيب ميخائيل أجابت والدته بأنه معذور ومشغول وربما سيجيء متأخرا فما كان من الخوري إلا وأزال لحيته المصطنعة وشلح القلوسة « 1 » وقال لا ياما أنا جيت معكم . فتصور ذلك الموقف وإذ هو ميخائيل بعينه ! ! شهق كل من الحضور ومات ضحكا على ميخائيل وحوادثه إلا والدي الذي عرف المؤامرة سرا والمهم في الأمر فتصور يا أخي أن ميخائيل تجرأ ولبس هذه البدلة وجاء بلحية مزيفة مشيا ومر من داره التي كانت في حارة النصارى إلى باب العامود ومن ثم إلى حارة السعدية ليس لشي سوى الضحك . فكان لا يضحك خصوصا عندما قبل جميع الحضور أياديه . فكان ماخذ مجده رحمه اللّه . السلفيتي والعامل محمود كانت عائلة السلفيتي تملك مصيفا في شرفة عين كارم قضاء القدس وكان هذا القصر الصيفي مجمع الخلان من أصدقائهم المقدسيين فإذا مازرت المصيف تشاهد ما يدهشك من فكاهات العائلة وأخصهم ميخائيل فقد نصب عددا كبيرا من القنابل الفارغة التي تركت من الجيش وكان يضرب عليها بعصا مقلدا نواقيس طوائف الحبش والأقباط والسريان في سبت النور العظيم . وكان محمود من قرية عين كارم قد اشتغل مدة ثلاثة أسابيع في الأرض والسلاسل للمصيف ولم يقبض أيجاره من العم ميخائيل لأن الدراهم كانت تحفظ عند سليم أخيه وكان صرافا للنقد وكان العم ميخائيل يماطل محمود ويعده للأحد القادم إلى أن زهق العم ميخائيل من مطالبة محمود وأصبح في موقف حرج ولم يبق له أي عذر لتسديد الأجار حتى ابتكر هذا الحادث الطريف وتخلص من العامل محمود كليا الذي لم يرجع إليه ثانية وعاف أجاره المسكين ، وإليك الحادث : كان العم ميخائيل يحمل بجيبه قليلا من ناعم الفوارة « 2 » . فجاء محمود مطالبا بالإيجار على عادته في صبيحة يوم من الأيام وطرح السلام وجلس بجانب ميخائيل تحت ظل الشجرة . ففاجئه العم ميخائيل قائلا : " يا محمود كثير من المرات بتحصل معي دوخة ، وبغيب عن الدنيا . يا زلمة ما بعرف شو بعمل ساعتها " إلى ما هناك من تذمر من هذا المرض محمود : " ول يا زلمة ما تتحكم شوف الحتشيم « 3 » . ميخائيل : وبخفة فائقة وضع قليلا من ناعم الفوار في فمه بدون معرفة محمود ، ورد قائلا " يلعن أبو الحكماء إني لم أترك أحدا منهم إلا وحكمني . أخذوا المصاري ع الفاضي . " ثم قال هأ هأ أجت يا محمود ، أجت يا محمود فأزبد من فمه بواسطة الفوارة وشقلب عيونه فهرب محمود ولحقه ميخائيل يهدرم ويشتم ويعربد ومحمود يركض أمامه يصيح من شدة الخوف مسافة طويلة . وهكذا رجع العم ميخائيل وتخلص من محمود إلى الأبد .
--> ( 1 ) وهي قبعة الكاهن بحسب التقليد البزنطي . ( 2 ) ناعم الفواراة : مسحوق سكري يفور عند ملامسته الماء وكان يستعمل في تلك الأيام في مكان المشروبات الغازية اليوم . ( 3 ) الحتشيم : الحكيم أي بالطبيب بلهجة الفلاحين .