واصف جوهرية
94
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
أصواتا جميلة جدا وإني لا أنسى الرقمة التي كانت ثابتة فوق باب الإناء مصنوعة من النحاس الأصفر الذهبي ومحفورة بفن رفيع ويعلوها الهلال والنجمة من نحاس براق . وعلى وسطه زنارا يتسع لوضع الكؤوس الخاصة لشرب الصومادة هذا الزنار مصنوع من النحاس أيضا فعندما كان يختال هذا البائع الخفيف الروح والظل وخصوصا في نور الشمس وفي شوارع المدينة فإنك تندهش من منظره وعدته التي كانت تشع بنور الشمس وكأنها قبة إحدى كنائس روسيا ، وتستمع إلى صوت النقود عليها وهو ينادي بأعلى صوته " صومادة بوزكبي " أي بمعنى الصومادة باردة كالثلج . فكنا نشرب هذا الشراب اللذيذ الذي كان يطفي الحرارة بأيام الصيف . وإني أذكر بأننا كنا نستعمل هذا الشراب من العم على زحيمان أبو زهدي في المقهى فكان يقدمه للعالم في مقهاه المشهور باب العامود مثلجا في فصل الصيف وساخنا في فصل الشتاء من ليالي رمضان المبارك . التطلي كانت العادة في هذه الفترة زمن تركيا العادة لدى أعيان المسلمين وإجمالا لدى عائلات المسيحيين من أهالي القدس بأن يقدموا لضيوفهم وزائريهم بمناسبة الأعياد التطلي . فكانت والدتي تطبخ أنواعا شهية ومختلفة مثل الفشنا وكانت تردنا من تركيا وهي من أحسن أنواع التطلي على الإطلاق . ثم السفرجل ماء السفرجل وبرش السفرجل ، ثم الخشخاش وقشر البردقال « 1 » وخصوصا الكباد وكان يرد على القدس من يافا . وإني أذكر أنها كانت تعمل تطلي من جوز الهند والمستكا . هذه العادة كانت جميلة جدا ولكنها كانت تأخذ من أوقات صاحبات البيوت الساعات فتصور يا أخي طبخ هذه الأشياء والمحافظة عليها لوقت الأعياد من السنة ثم والمهم أنه عند تقديم التطلي كان يقدم على صينية كبيرة الحجم من الفضة عند الأثرياء . مؤلفة هذه الصينية من : إنائين لنوعين التطلي مثلا سفرجل وفشنا . إناء خاص لوضع ملاعق صغيرة برضة « 2 » من الفضة عند الأثرياء . قدحين وفيهم الماء لوضع الملعقة فيهم بعد ما يتناول الضيف التطلي في فمه فيضع الملعقة في واحد من هذه الأقداح . والجدير بالذكر أن حامل هذه الصينية ينقطع ظهره من ثقلها وبعد ما تستعمل الملاعق الست يأخذ الملاعق شخص آخر من أهل البيت ويمسح كل ملعقة بالمنشفة الخاصة ثم يرجعون ويكملون التقديم للضيوف إذا كان عددهم أكثر من ستة . وإني والحق يقال كنت ولم أزل معجبا بهذا النوع من الإكرام وقد واصلته في داري وبعد زواجي بعد ما كان في طي النسيان عند أكثر أهل بيت المقدس اللذين اكتفوا بتقديم حبة من الشوكولاتة ، أو غيره . لا أنكر أن العادة الحديثة أنظف وإنما من يتخايل تلك الصينية بمعداتها الفضية وكؤوسها المزركشة وملاعقها عندما تكون جاهزة وواقفة أمام الضيف ليتناول ما رغب من أصناف التطلي اللذيذ الشهي المفيد الخالي من كل تزييف لهو حقا كرم يتجلى فيه جود العرب وبهجة العيد فسقيا لتلك الأيام . « 3 »
--> ( 1 ) البردقال : البرتقال . ( 2 ) برضه : أيضا . ( 3 ) انظر ملحق رقم 11 في آخر الكتاب .