واصف جوهرية

92

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

والجدير بالذكر أنه عندما كان يحمل هذا الصدر من اللحم والعجين ثم يضعه على السيبة في وسط الشارع ينادي بأعلى صوته " ليه ولحم اللّه يجيب اللي ما ادردى أي اللّه ما يجيب اللي ما تخونق " ، والعياذ باللّه ولكن كانت العالم رغما عن استماعهم إلى شتائمه فقد يشترون منه ويكونون مسرورين نظرا لخفة روحه ودمه . سحلب كينور وأما عند الفجر فإن العم أبو موسى يحمل إبريقا ومن تحته كانون النار ومحمول بذات الإبريق الملآن من السحلب وهكذا كان يبيع السحلب خصوصا في أيام الشتاء وكان سحلب جاموس من أحسن الصنع واللذة خصوصا بعد ما يصب السحلب بالفنجان المزوق ويرش عليه الجنزبيل الطازج . فكان وصفة لها مكانتها لإلتهاب الحنجرة والسعال وجلي الصدر مناديا " سحلب كينور " . وإذا ما رأى إحدى أصدقائه مقبلا في الشارع من بعيد وربما لا يرغب شرب السحلب فإن أبو موس يبادرة بصوته العالي " لا تركض بالمذهب بالمذهب " وبالفعل وبدون طلب يصب له السحلب بالفنجان ويقدمه له حالا عند وصوله إليه فلم يرفض هذا الصديق بل يتقبل سحلب أبي موسى ويدفع له ما تجود به نفسه بكل فرح وسرور . أما كلمة كينور فهذه كلمة غريبة تجدها في قاموس أحمد جاموس . مطبق زلاطيمو بالقدس إعلم أيها القارئ أن لكل بلد من البلاد العربية مختصة بنوع خاص من المآكل أو الحلوى أو الشربات فمثلا يقال الحلاوة بالجبن لطرابلس الشام ، ثم بقلاوة بيروت ، أو كنافة نابلس وقد انفردت مدينة القدس بنوع الحلوى المعروف بالمطبق ، وأظن أن الأصل من استانبول . وقد اشتهر هذا النوع من الحلوى من صانعه وهو المرحوم الشيخ محمد زلاطيمو الجد الأول لهذه العائلة الكريمة بالقدس . إني أذكر المرحوم الشيخ محمد فكان رحمه اللّه معمم وله ذقن بيضاء عندما كان يشتغل بيده المطبق في دكانه الأولى " الأخيرة من الجهة اليمنى من الدكاكين تحت قنطرة خان الزيت " بجوار درج الحبش ودكان زلاطيمو في الوقت الحاضر « 1 » ، وقد استعمل دكانه القديمة المذكورة من بعده علي النمر ( مطعما ) . كنت أرافق والدي ونشتري القطمة الواحدة من المطبق بقيمة " قرش ترك " أي ثلاثة متاليك ونصف كبك . أما حجمها فكان بقدر قطعة المطبقة بوقتنا هذا وزيادة عنها بثلثين ، وكانت قديما والحق يقال صنعتها أجود والسمن والجبن كان صافيا ، وقد ورث أولاده إبراهيم وأولاده عنه هذه الصنعة الفريدة ولم تزل والحمد للّه مشهورة ويضرب فيها المثل وإني أذكر أن المرحوم يوسف العيسى صاحب جريدة ألف باء في سوريا كان يزور القدس خصيصا ليأكل المطبق ومثله الكثيرين .

--> ( 1 ) وما زالت الدكان موجودة إلي هذا اليوم وهو تاريخ صدور الكتاب .