واصف جوهرية

90

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

من أشكال البهارات الحارة . فأول قسم معجون بالفلفل الأسود مع السكر وفيه العطر ، والثاني بالجنزبيل مع السكر ، والثالث بالكبش قرنفل وهكذا . فكنا عندما ندفع الكبك يضرب البائع الحديدة المبسوطة من فوق العامود والتي في طرفها السهم يضربها بيده بشدة فتدور بسرعة إلى أن يقف السهم على قسم من الأقسام الستة . وهكذا يعرف الولد بأن بخته ونصيبه أن يتذوق المعجون الذي في داخله . ثم يجيء البائع بقضيب خاص من الحديد الأسود القذر الخاص لهذه العملية فيغمصه في معجون القسم القائم فوقه السهم فيلف المعجون على طرف القضيب ثم يجذبه ويقول لي مثلا إفتح تمك ، فأفتح فمي بالحال ، وهكذا يلقمني المعجون ويقول لي " إسحب شد " فأشد على شفتي ويبقى المعجون بفمي والبائع يسحب ذلك القضيب من فمي لأنه القضيب الوحيد الذي يلقم جميع المشتريين من الأولاد ، والجدير بالذكر أنه عندما كنا نأكل هذه اللقمة لا نستطيع أن نتكلم إلا لعند ما نبلعها ثم نقول يا اللّه ما أزكاها . [ أي ما أطيب طعمها ] أكتب هذا الوصف وأقول مؤكدا لو أنني رأيت هذا البائع يلقم ولدي جورج في يومنا هذا لما كنت تأخرت عن مقاتلته وربما شكيته ومنعته من مواصلة رزقه على هذه الصورة القذرة . ولكني أعود وأقول أن الجهل بالشيء في ذلك الوقت كان السبب في تغلبنا على الأمراض ، واللّه أعلم . تع بلوظ أما البلوظة فكنا نشتريها من العم الحاج محمد المحضر . فكان رجل كبير في العمر معمّم يجلس بجوار سبيل الماء في ساحة باب العامود داخل السور وأمامه طاولة قصيرة قديمة وعليها صينية من البلوظة ( مصنوعة من النشاء المطبوخ حتى يصير جامدا أشبه بالكولا ) وبجانب هذه الصينية إبريق كبير من الحديد المدهون أكل الدهر عليه وشرب حتى زال بعض الدهان الملون عنه ، وعدد كبير من ذات الجنس صحون . فكان رحمه اللّه ينادي بأعلى صوته ويدلل على البلوظة فيقول ( تع بلوظ ، تع بلوظ ، بنص كبك ، تع بلوظ ) ثم يدعوا الأولاد ويقول لهم ( ع الكنباية ، ع الكنباية ) ومعنى الكنباية ( الجبة المقامة من الحجر والتي تفصل طريق العربة من الطريق المبلطة بالبلاط الريم وخصوصا لمنع تدفق مياه المطر من الطريق ) . فكنا ندفع نص الكبك ونجلس على هذا الحائط القصير المعروف بالكنباية فيضع ملعقتين من البلوظة ويصب عليها ماء السكر السائل ولونه أحمر على البلوظة البيضاء في ذلك الصحن الأثري ، ويكسر البلوظة بالملعقة أو السكين ويقدم لكل من دفع صحنه ، ونأكل وندعو للعم المحضر الدعوات الخيرية . ولم أدري من ورث عدة البلوظة من الإبريق والصحون والملاعق الأثرية من ورثته !