ابن الكندي

21

فضائل مصر المحروسة

دينار غير ثوب تنيس ودمياط . ويقال : إنه ليس في الدنيا منزل إلا وفيه من ثوب تنيس ولو خرقة . وبها الثياب الصوف والأكسية المرعز ، وليس هي في الدنيا إلا بمصر . وذكر بعض أهل مصر أن معاوية لما كبر كان لا يدفأ ، فأجمعوا أنه لا يدفئه إلا أكسية تعمل في مصر ، من صوفها المرعز العسلي غير مصبوغ ، فعمل له منها عدد ، فما احتاج منها إلا إلى واحد . ولهم طراز البهنسا من الستور والمضارب ما يفرقون به طراز أهل الدنيا . ولهم النتاح العجيب من الخيل والبغال والحمير ما يفوق نتاج أهل الدنيا ، وليس في الدنيا فرس في نهاية الصورة في العنق غير الفرس المصري ، وليس في الدنيا فرس لا يردف غير المصري ، وسبب ذلك قصر ساقية وبلاغة صدره وقصر ظهره ، وذكر أن الوليد عزم على أن يجري الخيل ويمتحن خيل البلدان ، فكتب إلى سائر الأمصار أن يتخير له خيل كل بلد ، ويتوجه به إليه ، فلما اجتمعت عرضت عليه ، فمرت به المصرية ، فلما رآها دقيقة العصب ، لينة المفاصل والأعطاف ، قال : هذه خيل ما عندها طائل ، فقال له عمر بن عبد العزيز وهو جالس معه : وأين الخير كله إلا لهذه وعندها ! فقال له : ما تترك تعصبك يا أبا حفص لمصر على كل حال ، فلما أجريت الخيل جاءت المصرية كلها سابقة ما خالطها غيرها . ولهم معدن الذهب ، بفوق معدنهم كل معدن . ولهم معدن الزمرد ، وليس في الدنيا زمرد إلا معدن بمصر ، ومنها يحمل إلى سائر الدنيا . ولهم القراطيس ، وليس هي في الدنيا إلا بمصر ولهم القمح اليوسفي ، وليس هو في الدنيا إلا بمصر . ولهم زيت الفجل ودهن البلسان والأفيون والأبرميس وشراب العسل والبسر البرني الأحمر واللبخ والخس والكبريت ، والريش والشمع والعسل وخل الخمر والترمس والجلبان والذرة والنيدة والأترج الأبلق والفراريج السرمكية ، وذكر أن مريم عليه السلام شكت إلى ربها قلة لبنها فألهمها أن عملت النيدة فأطعمتها عيسى عليه السلام . وذكر أهل العلم أنه لا يكاد يرى مترهبو الشام إلا عمشا من أكلهم العدس ورهبان مصر سالمون من ذلك لأكلهم الجلبان ، ولهم البقر الخيسية المؤبدة للحلب فقط ، وهي أحسن البقر صورة ، وبقر مصر ليس في الدنيا بقر أعظم منها ، حتى أن العفو منها يساوي أكثر من عفو ثور من غيرها . ولهم حطب السنط والأبنوس والقرط الذي تعلفه الدواب . وذكر بعض أهل العلم أنه يوقد بحطب السنط عشرين سنة في الكانون أو التنور فلا يوجد له رماد طول هذه المدة . وقال بعض أهل العلم : ليس في الدنيا شجرة إلا وهي بمصر ، عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها . وبوجد بمصر في كل وقت من الزمان من المأكور والمأدوم والمشروب والمشموم وسائر البقول والخضر ، جميع ذلك في الصيف والشتاء ، لا ينقطع منه شيء لبرد ولا لحر ، يوجد ذلك كله في الصيف ويوجد بعينه