ابن الكندي

18

فضائل مصر المحروسة

فإني فكرت في بلدك فإذا أرضك أرض واسعة عريضة رفيعة ، قد أعطى اللّه أهلها عددا وجلدا وقوة في بر وبحر ، قد عالجتها الفراعنة ، وعملوا فيها عملا محكما ، مع شدة عتوهم ، فعجبت من ذلك ، فأحب أن تكتب إلى بصفة مصر كأني أنظر إليها . فكتب إليه عمرو بن العاص : بسم اللّه الرحمن الرحيم . لعبد اللّه الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد بلغني كتابك وقرأته وفهمته ، وأما ما ذكرت فيه من صفة مصر ، فإن كتابي سيكشف عنك عمى الخبر ، ويرمى على بالك بنافذ البصر ، إن مصر وما أحببت أن تعلمه من صفتها ، تربة سوداء ، وشجرة خضراء بين جبل أغبر ورمل أعفر ، قد اكتنفها معدن رفقها ، ومحط رزقها ، ما بين أسوان ، إلى منشأ البحر ، في سح النهر ، مسيرة الراكب شهرا ، كأن ما بين جبلها ورملها بطن أقب ، وظهر أجب ، يخط فيه نهر مبارك الغدوات ، ميمون البركات ، يسيل بالذهب ، ويجري بالزيادة والنقصان كمجاري الشمس والقمر ، له أيام تسيل إليه عيون الأرض وينابيعها مأمورة بذلك ، حتى إذا ربا وطما ، واصلخم لججه ، واغلولب عبابه ، كانت القرى بما أحاط بها كالربا لا يوصل من بعضها إلى بعض إلا في السفائن والمراكب ، ولا يلبث إلا قليلا حتى يكون كأول ما بدأ من جريه وأول ما طما من شربه ، وحتى تستبين فنونها ومتونها ، ثم تنتشر فيه أمة محقورة ، قد رزقوا على أرضهم جلدا وقوة ، لغيرهم ما سعوا به من كدهم بلا حمد ينالهم من ذلك ، يسقون سهل الأرض وخرابها وروابيها ، ثم يلقون فيها من صنوف الحب ما يرجون به التمام من الرب ، وما يلبث إلا قليلا حتى يشتد ، ثم تسيل قنواته وتصفر ، يسقيه من تحته الثرى ومن فوقه الندى ، أو سحاب منهمر بالأرائك مستدر ، ثم في هذا الزمان من زمانها يغنى ذبابها ، ويبدأ في صرامها ، فبينما هي مدرة سوداء إذا هي لجة زرقاء ، ثم غوطة خضراء ، ثم ديباجة رقشاء ، ثم فضة بيضاء ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين ، الفعال لما يشاء . وإن خير ما اعتمدت عليه في ذلك شكر اللّه عز وجل يا أمير المؤمنين ، على ما أنعم عليك منها ، فأدام اللّه لك النعمة والكرامة في أمورك كلها والسلام . وأجمع أهل العلم أنه ليس في الدنيا نهر أطول مدى من النيل ، يسير مسيرة شهر في بلاد الإسلام وشهرين في بلاد النوبة وأربعة أشهر في الخراب حيث لا عمارة ، إلى أن يخرج من جبل القمر خلف خط الاستواء . وليس في الدنيا نهر يصب من الجنوب إلى الشمال إلا هو وليس نهر يصيب في بحر الروم والصين غير نيل مصر . وليس في الدنيا نهر يزيد ويمد في أشد ما يكون من الحر حين تنقص أنهار الدنيا وعيونها غير نيل مصر ، وكلما زاد الحر كان أقوى لزيادته ، وليس في الدنيا نهر يزيد بترتيب غير نيل مصر . وليس في الدنيا نهر يزرع عليه ما يزرع على نيل مصر ، ولا يجبي من خراج نهر من أنهار الدنيا ما يجبي من خراج النيل .