ابن الجوزي

49

فضائل القدس

سرد الأخبار ، وكان حريصا في الكثير منها على التقيّد بالاسناد . ولعل كثرة دراسته للحديث وحفظه لأسانيده قوّت هذا الحرص على الأسانيد في أخباره ، سواء أكانت عن شيوخ تتلمذ عليهم ، أم من كتب مسندة قرأها وحافظ على أسانيدها . نستثني بعض مقدمات كتبه التي راعى فيها الأسلوب المألوف في عصره من سجع منمّق ، ولكنه في هذه المقدمات المسجوعة ماهر يأتي السجع معه في أغلب المواضع بشكل فني جميل بارع قليل التكلف . وتختلف مقدمات هذه الكتب باختلاف تاريخ تأليفها . فإذا تركنا المقدمات نرى أسلوبه أقرب إلى أسلوب الكتاب في هذا العصر منه إلى أسلوب أكثرية الكتاب في عصره ، فهو بعيد عن التأنق والبديع والاستعارات الجافة ، تنساق فيه الألفاظ مع المعاني التي يريدها انسياقا طبيعيا ، لا تكلف ولا صنعة فيه ، فهو يقول مثلا : « كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة ، فأخرج في طلب الحديث ، وأقعد على نهر عيسى . فلا أقدر على أكلها إلا عند المساء ، فكلّما أكلت لقمة شربت عليها » ويقول في فتح بيت المقدس : « وما زال بيت المقدس مع الكفار إلى سنة ثلاث وثمانين وخمسمئة ، فقصده صلاح الدين النائب هناك عن أمير المؤمنين الناصر لدين اللّه ، بعد أن ملك ما حوله ، فوصل الخبر الينا في سابع وعشرين من رجب سنة ثلاث وثمانين ، أن يوسف ابن أيوب الملقب بصلاح الدين فتح بيت المقدس وخطب فيه بنفسه وصلّى فيه » . ويقول في تلبيس إبليس على العباد في العبادات . « اعلم أن الباب الأعظم الذي يدخل منه إبليس على الناس هو الجهل . فهو يدخل منه على الجهال بأمان . وأما العالم فلا يدخل عليه إلا مسارقة وقد لبس إبليس على كثير من المتعبدين بقلّة علمهم » ص 134 . ويروي خبرا في باب التنديد بالرقص عن سعيد ابن المسيب أنه سمع