ابن الجوزي
34
فضائل القدس
يشاء من عباده لا إله غيره . وشاهدنا بعد ذلك مجالس لسواه من وعاظ بغداد ممن يستغرب شأنه بالإضافة لما عهدناه من متكلمي الغرب ، وكنا قد شاهدنا بمكة والمدينة شرفهما اللّه مجالس من قد ذكرناه في هذا التقييد ، فصغرت بالإضافة لمجلس هذا الرجل الفذ في نفوسنا قدرا ، ولم نستطب لها ذكرا ، واين تقعان مما أريد ، وشتان بين اليزيدين ، وهيهات ، الفتيان كثير ، والمثل بمالك يسير . ونزلنا بعده بمجلس يطيب سماعه ، ويروق استطلاعه . وحضرنا له مجلسا ثالثا يوم السبت الثالث عشر لصفر بالموضع المذكور بإزاء داره على الشط الشرقي ، فأخذت معجزاته البيانية مأخذها ، فشاهدنا من أمره عجبا ، صعّد بوعظه أنفاس الحاضرين سحبا ، وأسال من دمعهم وابلا سكبا ، ثم جعل يردد في آخر مجلسه أبياتا من النسيب شوقا زهديا وطربا ، إلى أن غلبته الرقة فوثب من أعلى منبره والها مكتئبا ، وغادر الكل متندّما على نفسه منتحبا ، لهفان ينادي يا حسرتا واحربا . والنادبون يدورون بنحيبهم دور الرحى ، وكل منهم بعد من سكرته ما صحا ، فسبحان من خلقه عبرة لأولي الألباب ، وجعله لتوبة عباده أقوى الأسباب ، لا إله سواه » « 57 » . وبرغم ما في قول ابن جبير من المبالغة التي اقتضاها السجع أحيانا في أسلوبه البياني ، فان القارئ يدرك ما كان لمجالس هذا الامام الجليل من الأثر في نفوس الناس . وكان الخليفة المستضيء قبل الناصر يطلبه ويأمره بعقد مجلس الوعظ ، ويجلس بحيث يسمع ولا يرى « 58 » . ولمّا خطب للمستضيء بمصر صنّف ابن الجوزي كتابا خاصا بهذه المناسبة سمّاه النصر على مصر « 59 » . وكان لابن الجوزي في عهد الناصر نفسه
--> ( 57 ) ابن جبير . 199 - 203 . ( 58 ) ابن العماد الحنبلي 4 : 250 . ( 59 ) ابن رجب ( الذيل ) 1 : 404 .