ابن الجوزي
27
فضائل القدس
وكانت شهرته قد ذاعت وعرفت مكانته ، فألقى عظة في كلّ من الجامعين الكبيرين فيهما . وهكذا فإنه لم يقم بأيّ رحلة إلى قطر غير الحجاز ، وظلّ طول حياته في بغداد ما عدا السنين التي نفي فيها إلى واسط . وقد وصف ما رآه في زيارته الثانية للحجاز ، فقال : « ودار بنا الدليل على طريق خيبر ، فرأيت من الجبال وغيرها العجايب » وعلّق حفيده على كلام جدّه فقال : « ما رأى رحمه اللّه جبل لبنان وجبل الثلج وأيلة وغيرها » « 47 » . ويقصد سبطه بهذا القول أنه لو رأى هذه المواضع ، لما بلغ إعجابه إلى هذا الحد بما رأى في الحجاز . نكبته في طوفان بغداد وفي آخر خلافة المتقي ( 530 - 555 ه ) كان ابن الجوزي قد كتب كتبا كثيرة ، ولكنها غرقت فيما يقول سبطه ، وذلك بسبب الطوفان العظيم الذي اجتاح بغداد سنة 554 ه . ودمّر كل الضاحية التي كانت فيها داره ، وكانت في شارع اسمه درب الغبار فاضطر ابن الجوزي ، حين أخذ الطوفان يحتاج الحي الذي كانت داره فيه ، إلى أن يعبر الجانب الغربي ، حتى إذا عاد بعد ذلك بيومين ، لم يجد حائطا قائما ، ولم يستطع أن يعرف أين كانت ، بل لم يستدل على الدرب نفسه إلا من منارة المسجد فإنها لم تقع « 48 » . وقد نكب في تلك السنة نفسها بوفاة ابنه الأكبر عبد العزيز
--> ( 47 ) سبط ابن الجوزي 8 : 141 . يقصد بجبل الثلج الجبل المعروف الان في لبنان بجبل الشيخ وقد رآه السبط كما نعرف من اخباره . ( 48 ) سبط ابن الجوزي 8 : 143 . اما ابن الجوزي نفسه فإنه حين ذكر اخبار تلك السنة في كتابه المنتظم في تاريخ الملوك والأمم . ج 10 ص 189 - 190 ذكر الطوفان في 18 ربيع الأول وهدمه للدور والسور ولكنه لم يشر إلى غرق كتبه مع أنه قال : وخرجت من داري بدرب القيار ( بالقاف والياء ) يوم الأحد وقت الضحى فدخل إليها الماء وقت الظهر فلما كانت العصر وقعت الدور كلها . . . وتهدم السور . . . وجئت بعد يومين إلى درب القيار فما رايت حائطا قائما ولم يعرف أحد موضع داره الا بالتخمين .