ضياء الدين محمد المقدسي

6

فضائل بيت المقدس

وكان لهؤلاء المهاجرين أثرهم الكبير في مدينة دمشق ، وما حولها ، ثم امتد هذا الأثر إلى بلدان بعيدة ، فكان تأثيرهم كبيرا ومتسعا ، سواء من الناحية العلمية أم العمرانية ، أم في ميدان الجهاد . أسسوا الصالحية التي لا تزال تحتفظ باسم مؤسسيها الصالحين ، ونشروا مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، وألفوا فيه المؤلفات المعتمدة ، ككتاب « المغني » للموفق المقدسي ، وكان الاشتغال بالحديث النبوي من أسمى أعمالهم العلمية ، إذ رحل قسم كبير منهم إلى أقطار بعيدة ، كبغداد ، وأصبهان ، وهراة ، ونيسابور ، وبخارى ، وغيرها لطلب العلم ولتلقي الحديث النبوي . آزر السلطان المجاهد نور الدين الشهيد رحمه اللّه هؤلاء القوم ، وتقرّب منهم ، وعمل على خدمتهم ، وقدّم لهم مساعداته ، وكان يزورهم ويأتي إليهم لينظر في أحوالهم ، وليقتبس من علمهم وزهدهم ، ثم جاء من بعده السلطان صلاح الدين الأيوبي ، فتابع العمل بسيرة سلفه ومعلمه ، فقرّب إليه الصالحين من أهل الصالحية . واشترك قسم كبير منهم في الجهاد ضد الصليبيين المغتصبين ، منهم الشيخ أبو عمر ، والموفق ، والضياء محمد بن عبد الواحد ، وعبد اللّه بن عمر بن أبي بكر المقدسي ، ومنهم عبد اللّه بن الحافظ المقدسي الذي يقول عنه المنذري : « اجتمعت به لما قدم مصر للغزاة بثغر دمياط » وغيرهم من أهليهم كثير جاهدوا لطرد الصليبيين . وكان السلطان صلاح الدين ينزلهم في خيمة مستقلة ويستشيرهم في كثير من أموره . ويتم الفتح المبين والنصر المؤزر بفتح القدس سنة 583 ه على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي ، وتعم الفرحة الكبرى المسلمين فيسعى أولو العلم منهم إلى إرشاد الناس وبيان أهمية هذه المدينة المقدسة ، وواجبهم في المحافظة عليها ، فقام بعضهم بتأليف المؤلفات التي تدل على فضيلتها . والمتتبع لحركة التأليف في تلك