ابن عبد الحكم

90

فتوح مصر والمغرب

به ، ولا بالذي يكسرنا عمّا نحن فيه ، إن كان ما قلتم حقّا فذلك واللّه أرغب ما يكون « 1 » في قتالهم ، وأشدّ لحرصنا عليهم ؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربّنا إذا قدمنا عليه ، إن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنّته ، وما من شئ أقرّ لأعيننا ، ولا أحبّ إلينا من ذلك ؛ وإنّا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين ؛ إمّا أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ، وإنها لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا ، وإن اللّه عزّ وجلّ قال لنا في كتابه : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ « 2 » ، وما منّا رجل الّا وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة ، وألّا يردّه إلى بلده ولا إلى أرضه ولا إلى أهله وولده ، وليس لأحد منا همّ فيما خلّفه ، وقد استودع كلّ واحد منا ربّه أهله وولده ؛ وإنما همّنا ما أمامنا . وأمّا قولك : إنا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا ؛ فنحن في أوسع السعة لو كانت الدنيا كلّها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه . فانظر الذي تريد فبيّنه لنا ، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ، ولا نجيبك إليها إلّا خصلة من ثلاث ، فاختر أيّها شئت ، ولا تطمع نفسك في الباطل ؛ بذلك أمرني الأمير ، وبها أمره أمير المؤمنين ، وهو عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من قبل إلينا ، إمّا أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل اللّه غيره ، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته ، أمرنا اللّه أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتى يدخل فيه ، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا ، وكان أخانا في دين اللّه ؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك ، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولم نستحلّ أذاكم ، ولا التعرّض لكم ، فإن أبيتم إلا الجزية فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، نعاملكم على شئ نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ما بقينا وبقيتم ، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شئ من أرضكم ودمائكم وأموالكم ، ونقوم بذلك عنكم ، إذ كنتم في ذمّتنا ، وكان لكم به عهد علينا « 3 » ، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمة بالسيف حتى نموت من آخرنا ، أو نصيب ما نريد منكم ؛ هذا ديننا الذي ندين اللّه به ، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره ، فانظروا لأنفسكم .

--> ( 1 ) أ ، ج : « ما نكون » . ( 2 ) سورة البقرة 249 . ( 3 ) ك : « عهد اللّه علينا » .