ابن عبد الحكم
56
فتوح مصر والمغرب
وكتب إلى عظيم من عظماء فارس مع شهربراز يأمره أن يقتل شهربراز ويتولّى أمر الجنود ، فكتب إليه ذلك العظيم يذكر أن شهربراز جاهد « 1 » ناصح ، وأنه أبلى « 2 » بالحرب منه . قال : فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنّه ، فكتب إليه أيضا يراجعه ويقول : إنه ليس لك عبد مثل شهربراز وأنك لو تعلم ما يدارى من مكايدة « 3 » الروم عذرته . فكتب إليه كسرى يعزم عليه ليقتلنّه وليتولّى أمر الجنود ، فكتب إليه أيضا يراجعه ، فغضب كسرى ، وكتب إلى شهربراز يعزم عليه ليقتلنّ ذلك العظيم فأرسل شهربراز إلى ذلك العظيم من فارس ، فأقرأه كتاب كسرى فقال له : راجع فىّ قال : قد علمت أن كسرى لا يراجع ، وقد علمت حسن صحابتى إيّاك ولكن جاءني ما لا أستطيع تركه ، فقال له ذلك الرجل : ولا آتى أهلي ، فآمر فيهم بأمري ، وأعهد إليهم عهدي ؟ قال : بلى ، وذلك الذي أملك لك ، فانطلق حتى أتى أهله ، فأخذ صحائف كسرى الثلاث التي كتب إليه « 4 » ، فجعلها في كمّه ، ثم جاء حتى دخل على شهربراز ، فدفع إليه الصحيفة الأوّلة فقرأها شهربراز ، فقال له : أنت خير منّى ثم دفع إليه الصحيفة الثانية فاقترأها فنزل عن مجلسه ، وقال له : اجلس عليه ، فأبى أن يفعل ، فدفع إليه الصحيفة الثالثة ، فقرأها ، فلم يفرغ شهربراز من قراءتها حتى قال : أقسم بالله لأسوءنّ كسرى ، وأجمع المكر بكسرى . وكاتب هرقل ، فذكر له أن كسرى قد أفسد ، وجهّز بعوثا وابتليت بطول ملكه ، وسأله أن يلقاه بمكان نصف يحكمان الأمر فيه ، ويتعاهدان فيه ، ثم يكشف عنه جنود فارس ، ويخلّى بينه وبين المسّير إلى كسرى . فلما جاء هرقل كتاب شهربراز ، دعا رهطا من عظماء الروم فقال لهم : اجلسوا أنا اليوم أحزم الناس ، أو أعجز الناس ، قد أتاني ما لا تحسبونه وسأعرضه « 5 » عليكم ، فأشيروا علىّ فيه . ثم قرأ عليهم كتاب شهربراز ، فاختلفوا عليه في الرأي ، فقال بعضهم : هذا مكر من قبل كسرى . وقال بعضهم : أراد هذا العبد أن يلقاك ، وخاف من كسرى فيستغيث ، ثم « 6 » لا يبالي ما لقى .
--> ( 1 ) ج : « مجاهد » . ( 2 ) ب : « ابتلى » . ( 3 ) أ ، ج ، ك : « مكابدة » . ( 4 ) د : « كتبت » . ( 5 ) ب : « تحتسبونه وسأعرض » . ( 6 ) د : « بمن » .