ابن عبد الحكم

50

فتوح مصر والمغرب

هو بولة ، وذلك أنه دعا الوزراء ومن كانت الملوك قبله تجرى عليهم « 1 » الأرزاق والجوائز ، فكأنّه استكثر ذلك ، فقال لهم : إني أريد أن أسألكم عن أشياء فإن أخبرتموني بها زدت في أرزاقكم ورفعت من أقداركم ، وإن أنتم لم تخبرونى بها ضربت أعناقكم ، فقالوا له : سلنا عمّ شئت ، فقال لهم : أخبروني ما يفعل اللّه تبارك وتعالى في كلّ يوم ، وكم عدد نجوم السماء وكم مقدار ما تستحقّ الشمس في كلّ يوم على ابن آدم ، فاستأجلوه فأجّلهم في ذلك شهرا ، فكانوا يخرجون في كلّ يوم إلى خارج مدينة منف فيقفون في ظلّ قرموس يتباحثون ما هم فيه ثم يرجعون وصاحب القرموس ينظر إليهم ، فأتاهم ذات يوم فسألهم عن أمرهم فأخبروه ، فقال لهم : عندي علم ما تريدون إلّا أن لي قرموسا لا أستطيع أن اعطّله ، فليقعد رجل منكم مكاني يعمل فيه وأعطونى دابّة كدوابّكم وألبسونى ثيابا كثيابكم ففعلوا وكان في المدينة ابن لبعض ملوكهم قد ساءت حالته فأتاه القرموسىّ فسأله القيام بملك أبيه وطلبه فقال : ليس يخرج هذا يريد الملك من مدينة منف ، فقال : أنا أخرجه لك ، وجمع له مالا ، ثم أقبل القرموسىّ حتى دخل على بولة ، فأخبره أن عنده علم ما سأل عنه ، فقال له : أخبرني كم عدد نجوم السماء ؟ فأخرج القرموسىّ جرابا « 2 » من رمل « 3 » كان معه فنثره بين يديه ، وقال له : مثل عدد هذا ، قال : وما يدريك ؟ قال : مر من يعدّه ، قال : فكم مقدار ما تستحقّ الشمس كلّ يوم على ابن آدم ؟ قال : قيراطا ، لأنّ العامل يعمل يومه إلى الليل فيأخذ ذلك في أجرته ، قال : فما يفعل اللّه عزّ وجلّ كلّ يوم ؟ قال له : أريك ذلك غدا ، فخرج معه حتى أوقفه على أحد وزرائه الذي أقعده القرموسىّ مكانه ، فقال له : يفعل اللّه عزّ وجلّ كلّ يوم أن يذلّ قوما ويعزّ قوما ويميت قوما ، ومن ذلك أن هذا وزير من وزرائك قاعد يعمل على قرموس ، وأنا صاحب قرموس على دابّة من دوابّ الملوك ، وعلىّ لباس من لباسهم أو كما قال له ، وأنّ فلان بن فلان قد أغلق عليك مدينة منف ، فرجع مبادرا فإذا مدينة منف قد أغلقت ، ووثبوا مع الغلام على بولة فخلعوه فوسوس فكان يقعد على باب مدينة منف يوسوس ويهذى فذلك قول القبط إذا كلّم أحدهم بما لا يريد قال : شجناك من بولة ، يريد بذلك الملك لوسوسته . واللّه أعلم .

--> ( 1 ) ب « عليه » . ( 2 ) ج « جراجا » . ( 3 ) أ ، د « الرمل » .