ابن عبد الحكم

102

فتوح مصر والمغرب

فقال عمرو : دونك ، فربّما فرجها اللّه بك ، فبرز مسلمة والرومىّ ، فتجاولا ساعة ، ثم أعانه اللّه عليه فقتله ، فكبّر مسلمة وأصحابه ، ووفى لهم الروم بما عاهدوهم عليه ، ففتحوا لهم باب الحصن ، فخرجوا ، ولا تدرى الروم أن أمير القوم فيهم ، حتى بلغهم بعد ذلك ، فأسفوا على ذلك ، وأكلوا أيديهم تغيّظا على ما فاتهم . فلما خرجوا استحيا عمرو مما كان قال لمسلمة حين غضب ، فقال عمرو عند ذلك : استغفر لي ما كنت قلت لك ، فاستغفر له . وقال عمرو : ما أفحشت قطّ إلّا ثلاث مرار « 1 » ، مرّتين في الجاهليّة ، وهذه الثالثة ، وما منهنّ مرّة إلا وقد ندمت واستحييت ، وما استحييت من واحدة منهنّ أشدّ مما استحييت مما قلت لك ، وو اللّه إني لأرجو ألا أعود إلى الرابعة ما بقيت . قال : ثم رجع إلى حديث عثمان ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، قال : أقام عمرو بن العاص محاصرا الإسكندرية أشهرا ، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطّاب قال : ما أبطأوا « 2 » بفتحها إلا لما أحدثوا . حدثنا يحيى بن خالد ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : لما أبطأ على عمر بن الخطّاب فتح مصر ، كتب إلى عمرو بن العاص : أمّا بعد ، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ؛ إنكم تقاتلونهم منذ سنتين ؛ وما ذاك إلا لما أحدثتم وأحببتم من الدنيا ما أحبّ عدوّكم ، وإن اللّه تبارك وتعالى لا ينصر قوما إلا بصدق « 3 » نيّاتهم ، وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر ، وأعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف ، إلا أن يكونوا غيّرهم ما غيّر غيرهم ؛ فإذا أتاك كتابي هذا ، فاخطب الناس ، وحضّهم على قتال عدوّهم ، ورغبهم في الصبر والنيّة ، وقدّم أولئك الأربعة في صدور الناس ، ومر الناس جميعا أن يكون « 4 » لهم صدمة كصدمة رجل واحد ، وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة ، فإنها ساعة تنزّل الرحمة ووقت الإجابة ، وليعجّ الناس إلى اللّه ، ويسألوه النصر على عّدوهم .

--> ( 1 ) ب ، د : « مرات » . ( 2 ) في السيوطي وهو ينقل عن ابن عبد الحكم « ما أبطأ » . ( 3 ) إلا بصدق : ج « لا تصدق » . ( 4 ) د : « يكونوا » .