محمد بن أحمد الفاسي
93
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
قد تلقّاه معاوية في موكب عظيم ، فلما دنا منه قال : أنت صاحب المكوكب العظيم ؟ . قال : نعم يا أمير المؤمنين . قال : مع ما يبلغني [ عنك ] « 5 » من وقوف ذوى الحاجات ببابك ؟ . قال : مع ما يبلغك من ذلك . قال : ولم تفعل هذا ؟ . قال : نحن بأرض جواسيس ، العدوّ بها كثير ، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما نرهبهم به ، فإن أمرتني فعلت ، وإن نهيتني انتهيت . فقال عمر : يا معاوية ، ما أسألك عن شئ إلا تركتني في مثل رواجب الضّرس ، لئن كان ما قلت حقا ، إنه لرأى أريب . وإن كان باطلا ، إنه لخدعة أديب . قال : فمرنى يا أمير المؤمنين ، قال : لا آمرك ولا أنهاك . قال عمرو : يا أمير المؤمنين ، ما أحسن ما صدر الفتى عمّا أوردته فيه ! قال : لحسن مصادره وموارده ، جشّمناه ما جشّمناه . انتهى . قال الزبير بن بكار ، لما ذكر أولاد أبي سفيان : ومعاوية بن أبي سفيان كان يقول : « أسلمت عام القضيّة ، ولقيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فوضعت إسلامي عنده ، وقبل منى » . وكان من أمره بعد ما كان ولم يزل مع أخيه يزيد بن أبي سفيان ، حتى توفى يزيد فاستخلفه على عمله ، وأقره عمر ، وعثمان - رضى اللّه عنهما - من بعد عمرو ركب البحر غازيا بالمسلمين إلى قبرس ، في خلافة عثمان . ثم قال الزبير : وحدثني أبو الحسن المدائني ، قال : كان عمر بن الخطاب إذا نظر إلى معاوية ، قال : هذا كسرى العرب . وكان عمر ولاه على الشام ، عند موت أخيه يزيد ، وكان موت يزيد ، على ما قال صالح بن دحية : في ذي الحجة سنة تسع عشرة ، بعد أن عمر فيها نائب عمر قيسارية ، وبها بطارقة الروم ، وحصرهم أياما ، وخلف عليها معاوية ، وسار هو إلى دمشق ، فافتتحها معاوية ، في شوال هذه السنة . وكتب إليه عمر بعهده على ما كان يليه يزيد من عمل الشام ، ورزقه ألف دينار في كل شهر ، وقيل إنه رزقه على عمله بالشام ، عشرة آلاف دينار كل سنة ، حكاه ابن عبد البر . أقام معاوية واليا لذلك أربع سنين ، بقيت من خلافة عمر ، فلما مات عمر أقره عثمان على ذلك ، حتى مات عثمان . ولما بلغه موت عثمان ، وأتاه البريد بموته بالدماء مضرجا ، نعاه معاوية إلى أهل الشام ، وتعاقدوا على الطلب بدمه ، وامتنعوا من مبايعة علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، وكان قد بويع بالمدينة بعد قتل عثمان ، فسار علىّ رضى اللّه عنه من العراق نحو أهل الشام ، في سبعين ألفا أو تسعين ألفا ، وسار إليه معاوية في ستين ألفا ، فالتقى الفريقان على أرض صفين ، بناحية العراق ، ودام الحرب والمصابرة أياما ولياليا ، قتل فيها من الفريقين ، أزيد من ستين ألفا .
--> ( 5 ) ما بين المعقوفتين أوردناه من الاستيعاب .