محمد بن أحمد الفاسي
318
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
المشركين قد أصابوا من المسلمين ، فأرسل إلى أم ولد سعد ، أو إلى امرأة سعد ، يقول لها : إن أبا محجن يقول لك : إن خليت سبيله وحملته على هذا الفرس ، ودفعت إليه سلاحا ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل ، وأنشأ يقول « 1 » : كفى حزنا أن تردى الخيل بالقنا « 2 » * وأترك مشدودا على وثاقيا إذا قمت عنانى الحديد وغلقت * مصارع من دونى تصم المناديا « 3 » فذهبت الأخرى ، فقالت ذلك لامرأة سعد ، فحلت عنه قيوده ، وحمل على فرس كان في الدار ، وأعطى سلاحا . ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم ، فجعل لا يزال يحمل على رحل فيقتله ويدق صلبه ، فنظر إليه سعد ، وجعل يتعجب ويقول : من ذلك الفارس ؟ . قال : فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى هزمهم اللّه تعالى ، ورجع أبو محجن ورد السلاح ، وجعل رجليه في القيود ، كما كان ، فجاء سعد فقالت له امرأته وأم ولده : كيف كان قتالكم ؟ فجعل يخبرها ، وجعل يقول : لقينا ولقينا ، حتى بعث اللّه تعالى رجلا على فرس أبلق ، لولا أنى تركت أبا محجن في القيود لطننت أنها بعض شمائل أبى محجن . فقالت : واللّه إنه لأبو محجن ، كان من أمره كذا وكذا . فقصت عليه قصته ، فدعا به ، وحل عنه قيوده وقال : واللّه لا نجلدك على الخمر أبدا ، قال أبو محجن : وأنا واللّه لا أشربها أبدا ، كنت آنف أن أدعها من أجل جلدكم . قال : فلم يشربها بعد ذلك . وزعم الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبى محجن الثقفي بأذربيجان ، أو قال : في نواحي جرجان ، وقد نبتت عليه ثلاثة أصول كرم ، وقد طالت وأثمرت ، وهي معرشة على قبره ، مكتوب على القبر : هذا قبر أبى محجن ، قال : فجعلت أتعجب ، وأذكر قوله : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة وذكر البيت .
--> ( 1 ) انظر : الاستيعاب ترجمة 3193 . ( 2 ) في الاستيعاب : « كفى حزنا أن ترتدى الخيل بالقنا » . ( 3 ) في الاستيعاب : « مصارع من دونى تصم المناديا » .