محمد بن أحمد الفاسي

256

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

مصر ، وجرد العسكر إلى صنعاء ، فهرب منها المنصور عبد اللّه بن حمزة الحسنى ولحق بالجبال ، وملك المسعود البلاد ، ويقال : إنه قتل باليمن ثمانمائة شريف وخلقا من الأكابر . ثم ملك مكة في ربيع الآخر ، وقيل الأول ، من سنة عشرين وستمائة ، وقيل في سنة تسع عشرة وستمائة ، انتزعها من حسن بن قتادة ، بعد أن تحاربا بين الصفا والمروة ، وثبت عسكر الملك المسعود بمكة إلى العصر ، وجرت أمور عجيبة ، وكثر الجلب إلى مكة في أيامه ، وأمنت الطرق ، وقلت الأشرار ، لعظم هيبته . وكان شهما مقداما ، منع اطلاع علم الخليفة الناصر لدين اللّه العباسي إلى جبل عرفة ، وأطلع علمه وعلم أبيه ، ويقال : إنه أذن في اطلاعه قبيل الغروب ، لما ليم في ذلك وخوف ، وذلك في سنة تسع عشرة ، وبدا منه في هذه السنة ، تجبر وقلة دين ، فإن سبط ابن الجوزي ، ذكر أن شيخه جمال الدين الحصري قال : قال : رأيته وقد صعد على قبة زمزم ، وهو يرمى حمام مكة بالبندق ، ورأيت غلمانه يضربون الناس بالسيوف في أرجلهم بالمسعى ، ويقولون : اسعوا قليلا قليلا ، فإن السلطان نائم سكران ، في دار السلطنة التي بالمسعى ، والدم يجرى على ساقات الناس . وكان ظلم التجار ، لم عزم على التوجه إلى اليمن ، بعد موت عمه الملك المعظم صاحب دمشق ، طمعا فيها ، فلم يصل إلى مكة إلا وقد فلج ، ويبست يداه ورجلاه ، ورأى في نفسه العبر ، فلما حضر ، بعث إلى رجل مغربى ، وقال : واللّه ما أرضى لنفسي من جميع ما معي كفنا أكفن فيه ، فتصدق علىّ بكفن . فبعث إليه نصفتين بغدادي ، ومائتي درهم ، فكفنوه فيهما . وكانت وفاته في ثالث عشر جمادى الأولى ، سنة ست وعشرين وستمائة بمكة ، ودفن بالمعلاة ، وبنى عليه بعد ذلك قبة ، هي مشهورة إلى الآن . هكذا أرخ وفاته المنذري في التكملة ، وهو الصحيح إن شاء اللّه تعالى . وما ذكره صاحب بهجة الزمن ، من أنه توفى في ربيع الأول من هذه السنة ، وهم ، وإنما خرج من اليمن في هذا الشهر ، كما قال الحاتمي ، فاشتبه تاريخ خروجه بتاريخ موته . وأما ما ذكره الجندي ، من أنه توفى مسموما في رجب ، وقيل في شعبان ، سنة خمس وعشرين ، فخطأ بلا شك .